«نقل الاعتراف الإسرائيلي قضية صوماليلاند من خلاف محلي إلى ساحة تنافس جيوسياسي تمس وحدة الصومال وأمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة.»— سيد عمر معلم عبد الله
البداية
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 26 ديسمبر الماضي، اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة عن جمهورية الصومال الفيدرالية. وجاء هذا الإعلان تتويجاً لسلسلة من الاتصالات التي مهدت الطريق لتبادل الزيارات، وصولاً إلى تبادل السفراء وتعزيز التعاون المشترك في قطاعات حيوية تشمل الموارد المائية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا، إلى جانب الاستثمار والتجارة والمعادن.
ووفقاً للبيانات والتصريحات الرسمية، يندرج قرار الاعتراف ضمن مساعٍ تهدف إلى تعزيز السلام والاستقرار الإقليمي، والتعاون في مكافحة الإرهاب، والانسجام مع مظلة الاتفاقيات الإبراهيمية المدعومة أمريكياً منذ عهد إدارة ترامب الأولى.
ويستند هذا الاعتراف إلى جملة من الادعاءات ذات الطابع الافتراضي أكثر من استنادها إلى حقائق واقعية على الأرض؛ ومن أبرزها الادعاء بأنهما واحتان ديمقراطيتان في محيط إقليمي مضطرب، والتشارك في مواجهة تهديد الجماعات المسلحة العابرة للحدود، والمعاناة المشتركة من أشكال مختلفة من العزلة السياسية، فضلاً عن وجود قيم مشتركة وسيادة روح الصداقة والاحترام المتبادل بين الشعبين.
الجذور
يتوج إعلان الاعتراف هذا مساراً طويلاً من التفاعلات غير المعلنة بين الطرفين، امتدت لعقود طويلة؛ إذ تعود جذور الاهتمام الإسرائيلي بالقرن الإفريقي إلى القرن التاسع عشر. ويتكامل أهداف الإعلان مع الخطط الاستعمارية السابقة لتقسيم الصومال، وينسجم مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الاهتمام بخطوط الملاحة البحرية في مداخل البحر الأحمر، وتفكيك الكتل الإقليمية ذات الهوية الإسلامية، التي يتصدرها الصومال.
وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، تصدر الصومال الدول ذات المواقف المعادية للمشروع الإسرائيلي الاستيطاني في المنصات الدولية والإقليمية، معتبراً إياه ونظام الفصل العنصري «الأبارتايد»، الذي ساد في جنوب إفريقيا سابقاً، وجهين لعملة واحدة.
ونتيجة لهذا الموقف الثابت، أصبحت إسرائيل من أبرز القوى الداعمة للجبهات القبلية؛ وتحديداً الجبهة الديمقراطية للإنقاذ الصومالي(SSDF) والحركة الوطنية الصومالية (SNM)، التي تنبثق منها الشرعية السياسية لحكم إقليم «أرض الصومال» الحالي.
وقد أسهمت إسرائيل بقوة في تقويض الدولة الصومالية واحتواء نفوذها الإقليمي بشتى الطرق، في سياق صراعات الحرب الباردة، والمخططات المنهجية لاختراق منظومة الأمن القومي العربي، ورداً على مواقف مقديشو التاريخية.
وتعززت هذه الاتصالات خلال فترتي حكم محمد حاجي إبراهيم عقال ( 1928-2002 ) وطاهر ريالي ( 1952- ) للإقليم تحت واجهات مختلفة، قبل أن تتطور في الآونة الأخيرة عبر قنوات غير مباشرة وزيارات متبادلة في عواصم إقليمية راعية لهذا الملف، وصولاً إلى الإعلان الراهن القاضي بتبادل الاعتراف الدبلوماسي.
الأهداف غير المعلنة
1. إنشاء قاعدة عسكرية بحرية تؤمن لإسرائيل حضوراً دائماً في مياه خليج عدن والبحر الأحمر، لتنفيذ مهام استراتيجية مركبة وتحقيق أهداف متكاملة.
2. الاقتراب العملياتي من السواحل اليمنية لتضييق الخناق على جماعة الحوثيين، وتعزيز القدرات الاستباقية في مواجهة التهديدات المباشرة.
3. إحكام الرقابة على حركة الملاحة البحرية والتجارة العالمية عبر مضيق باب المندب وخليج عدن.
4. تطبيق «عقيدة المحيط» الجيوسياسية التي أطلقها بن غوريون، وبناء تحالفات في الدائرة الجغرافية الخارجية لتطويق الخصوم الإقليميين القائمين، مثل إيران والحوثيين، أو المحتملين، مثل دول حلف مكة الجديد: تركيا والسعودية وباكستان.
5. دعم التطلعات الجيوستراتيجية لإثيوبيا ومساندتها في الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، بعد تعذر تحقيق ذلك بالوسائل الدبلوماسية والتقليدية خلال السنوات الأخيرة.
اتجاهات الرأي العام في صوماليلاند
ينقسم الفكر السياسي في «أرض الصومال» إلى عدة اتجاهات يغلب عليها الطابع العشائري أكثر من الفكري. ويشكل إعلان الانفصال الأحادي عن الصومال عام 1991 الخط الزمني الفاصل بين هذه الاتجاهات المتفاوتة، حيث يضيق مسارها كلما تقدمنا نحو الأمام، بينما تتسع روافدها بالاتجاه العكسي نحو الماضي.
وتشكل الفئة العمرية، وحجم الضرر الناجم عن الحكم الاستبدادي، إلى جانب الانتماء القبلي، محددات رئيسية لانتشار قاعدة تلك الاتجاهات السياسية من منطقة إلى أخرى.
ونتيجة لذلك، تكثر نزعة الوحدة في المناطق البعيدة نسبياً عن المركز، ويسود الاعتدال لدى الجيل المدني المخضرم الذي عاصر الفترتين المتمايزتين. وفي المقابل، يهيمن التصلب لدى امتداد عناصر الجبهة الذين خاضوا المعارك تحت لواء الحركة الوطنية الصومالية، وكذلك لدى الأحيال الجديدة المولودة بعد إعلان الانفصال، التي تنعدم لديها أي إمكانية للمقارنة بين المرحلة الجديدة وما سبقها.
ولا يُعزى هذا النمط إلى التطرف أو التشدد بحد ذاته، بقدر ما هو نتاج مباشر للبيئة السياسية التي عاش فيها هذا الجيل، والسرديات التي تراكمت في مسامعه، والصورة النمطية التي انطبعت في ذهنه طوال العقود الماضية.
ارتداد الاعتراف الإسرائيلي وتداعياته الإقليمية
يشكل إعلان الاعتراف نقطة تحول استراتيجية ألقت بظلالها على المشهد السياسي الداخلي في الصومال، وتسببت في حالة من الارتباك بين القوى المحلية؛ إذ دفعت دول المنطقة إلى إعادة تقييم حساباتها الجيوسياسية والتكتل ضمن مسارات إقليمية متباينة الأهداف.
ورغم أن الإعلان أحدث شرخاً عميقاً في جدار الوحدة الوطنية، فإنه ضمن للصومال موجة تضامن دولي وإقليمي غير مسبوقة الزخم لدعم سيادته وسلامة أراضيه، مؤكداً الأهمية البالغة لتماسك خريطته في معادلات الأمن الإقليمي.

