«الذكاء الاصطناعي لا يعفيك من عقلك، ولا يغنيك عن القراءة، ولا يمنح الخطأ صفة الحقيقة لمجرد أنه كتبه بلغة جميلة.» —عبد الرحمن محمد غوري
منذ أن وصل إلينا الإنترنت في نهاية التسعينات، وأنا أتعامل مع هذه الظاهرة الجديدة بشيء من الحذر. في البداية، أنشأت حسابا في «هوتميل»، ثم في «غوغل»، وبدأت أتصفح المواقع والمكتبات بشغف، أبحث عن الكتب والإصدارات الجديدة، وأتنقل من موقع إلى آخر كمن دخل مكتبة لا يعرف أين تنتهي رفوفها.
كان ذلك عالما جديدا تماما، والأجمل أنه كان عالما يصل إليك وأنت في مكانك: كتاب في لندن، وصحيفة في القاهرة، ومجلة في بيروت، ومكتبة في نيويورك. كل ذلك أصبح على بعد نقرة واحدة.
ثم بدأت هذه الموجات تتوالى. جاء «فيسبوك»، ثم «إنستغرام»، ثم «تيك توك» و«سناب شات»، وهلمجرا. وكلما اعتدت واحدة ظهرت أخرى أكثر إثارة منها، وأشد إلحاحا على أن أدخل عالمها وأقيم فيه.
دخلت بعضها، ووقفت على أبواب بعضها الآخر، وظللت أتعامل معها جميعا بشيء من الحذر والتوجس. فأنا من جيل كان الهاتف عنده وسيلة لكي يسمع الإنسان صوت الآخر، لا لكي يراه يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق.
ولهذا لم أستخدم مكالمات الفيديو البتة، ولا أعرف حتى اليوم لماذا ينبغي أن يراني محدثي لكي يصدق أنني أكلمه. يكفيني صوته، ويكفيه صوتي، وما زاد على ذلك يدخل عندي في باب الموبقات التي يجب الاجتناب عنها.
وأخيرا، ظهرت القفزة الكبرى: الذكاء الاصطناعي، أو AI كما يسمونه. تسأل جنابه فيجيبك فورا، لا يطلب مهلة، ولا يقول لك: دعني أراجع، ولا يعدك بالعودة لاحقا. تطرح السؤال، وقبل أن يرتد إليك طرفك، يكون الجواب أمامك.
تارة يصيب إصابة تبعث على الإعجاب، وتارة يخطئ خطأ يثير العجب. والأطرف أنه قد يخطئ بثقة كاملة، فيضع المعلومة أمامك في هدوء، حتى تكاد تشك في نفسك وتقول: لعل جنابه يعرف ما لا تعرف.
كنت في البداية أحمل جنابه مسؤولية ذلك كله، إلى أن قال لي صديق إن المشكلة ليست دائما في الذكاء الاصطناعي، بل أحيانا فيمن يتعامل معه. السؤال الرديء يأتي بجواب رديء، والسؤال الغامض يفتح الباب لإجابة أكثر غموضا.
وجدت في كلامه شيئا من الحقيقة، ومع الاستخدام اكتشفت أن المسألة ليست أن تسأل فقط، بل أن تعرف ماذا تسأل، وكيف تسأل، وماذا تريد من الإجابة.

