«وحدة الصومال ليست مجرد استحقاق دستوري أو مطلب سياسي، بل ضرورة تفرضها الجغرافيا والأمن ومصالح الاقتصاد واستقرار المنطقة بأسرها»
——-
ليست كل الدول سواء في ميزان الجغرافيا؛ فهناك أوطان تستطيع أن تنغلق على حدودها دون أن يلتفت إليها العالم، وهناك أوطان كُتب عليها موقعها أن تكون في قلب الأحداث، وأن تتحول جغرافيتها إلى قدر سياسي لا تستطيع الفكاك منه.
والصومال واحد من تلك الأوطان التي لم تمنحها الجغرافيا رفاهية العزلة، بل وضعتها عند مفترق طرق الحضارات والتجارة والإمبراطوريات، حيث يلتقي المحيط الهندي بالبحر الأحمر، وتتعانق السواحل الإفريقية مع الضفة العربية، وتتشابك مصالح الشرق والغرب في رقعة تبدو صغيرة على الخرائط، لكنها كبيرة في حسابات التاريخ والسياسة.
ولذلك، فإن اختزال قضية وحدة الصومال في كونها شأنًا داخليًا أو نزاعًا سياسيًا بين أبناء الوطن الواحد لا يعدو أن يكون قراءة مبتورة لحقيقة هذا البلد. فالصومال ليس مجرد دولة تسعى إلى حماية حدودها، بل هو ركيزة من ركائز الأمن في القرن الإفريقي، وحلقة رئيسية في أمن البحر الأحمر، وامتداد طبيعي للعمق الاستراتيجي العربي. ولهذا، فإن كل ما يجري فيه يتجاوز أثره حدوده السياسية ليطال أمن المنطقة بأسرها، بل ويصل إلى الاقتصاد العالمي الذي تمر نسبة معتبرة من تجارته عبر المياه المقابلة لسواحله.
وبطبيعة الحال، لا تختار الدول مواقعها، لكنها تختار كيف تتعامل مع هذا الموقع. والجغرافيا التي منحت الصومال هذه المكانة الاستثنائية جعلته أيضًا عرضة لصراعات القوى الكبرى، منذ أن تقاسمت القوى الاستعمارية أراضيه في نهاية القرن التاسع عشر، وحتى يومنا هذا، حيث لا تزال المنطقة مسرحًا لتنافس إقليمي ودولي محموم، وذلك للأسف من مفارقات الدهر وسخرية القدر.
لهذا أرى، في هذا السياق، أن الحفاظ على وحدة الصومال ليس مجرد دفاع عن تراب وطني كما تفعل الدول، وإنما دفاع عن التوازن الجيوسياسي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
إرث التقسيم وأهمية صون الوحدة
لقد خلّف التقسيم الاستعماري للصومال إرثًا ثقيلًا من تجزئة الأرض وتبديد حلم ظل يراود الصوماليين طويلًا، تمثل في توحيد أبناء الشعب الصومالي في إطار دولة واحدة تجمعهم أرضًا وهوية ومصيرًا.
كما أسهم ذلك التقسيم في إضعاف وحدة الهوية الوطنية، وتعقيد القضايا الحدودية، وإذكاء عدد من النزاعات الداخلية، وظلت آثاره من العوامل التي أضعفت مؤسسات الدولة وأسهمت في تهيئة الظروف التي انتهت إلى انهيارها عام 1991م.
ومن هذا المنظور، فإن الصومال، الذي عانى تاريخيًا من مرارة التجزئة وتداعياتها، أحوج ما يكون اليوم إلى صون وحدته الوطنية والترابية، وتجنب أي مسار قد يعيد إنتاج الانقسامات التي أثقلت كاهله لعقود.
فالتطلع إلى مزيد من التجزئة لا يداوي جراح الماضي، وإنما قد يفتح جراحًا جديدة، بينما تظل وحدة الصومال واستقراره ركيزة أساسية لأمنه ومستقبله، وللاستقرار في محيطه الإقليمي.
الصومال ومواجهة محاولات المساس بسيادته
لم تكن محاولات المساس بسيادة الصومال خلال العقد الأخير مجرد خلافات عابرة مع بعض دول الجوار، بل مثّلت تحديًا مباشرًا لوحدة الدولة وحقها في بسط سيادتها على كامل أراضيها ومياهها الإقليمية.
وقد تجلى ذلك في إبرام مذكرات تفاهم بحرية مع جهات داخل الصومال من دون موافقة الحكومة الفيدرالية، في تجاوز رأت فيه مقديشو مساسًا واضحًا بسيادة الدولة ووحدة أراضيها.
وأمام هذه التحديات، لم يتعامل الصومال معها بمنطق التصعيد، وإنما واجهها بثبات سياسي وحزم دبلوماسي واستناد إلى القانون الدولي، مؤكدًا أن السيادة الوطنية ليست مجالًا للمساومة إطلاقًا.
حين يستقر الصومال يستقر القرن الإفريقي
من يتأمل خريطة القرن الإفريقي يدرك سريعًا أن الصومال ليس دولة تقع في أطراف الإقليم، بل هو قلبه البحري، وبوابته الشرقية، والضلع الذي يربط إفريقيا بالمحيط الهندي والعالم العربي.
ولذلك، فإن أي خلل يصيب الدولة الصومالية لا يبقى محصورًا داخل حدودها، وإنما تتحول آثاره إلى موجات متلاحقة تمتد إلى إثيوبيا وكينيا وجيبوتي وإريتريا، لتؤثر في أمن الحدود، وحركة التجارة، واستقرار المجتمعات.
لقد علمتنا العقود الثلاثة الماضية أن انهيار الدولة الصومالية لم يكن أزمة وطنية فقط، بل أزمة إقليمية بامتياز. فمن رحم الفراغ الأمني خرجت الجماعات المتطرفة، واتسعت شبكات تهريب البشر والأسلحة، وازدادت موجات الهجرة غير النظامية، وتحولت الحدود إلى ممرات مفتوحة لكل أشكال الجريمة المنظمة.
ولم تكن دول الجوار بمنأى عن هذه التداعيات، بل دفعت أثمانًا باهظة لحماية أمنها الوطني، واضطرت إلى توظيف موارد ضخمة لمواجهة تهديدات كان يمكن تفاديها لو وجدت دولة صومالية مستقرة وقادرة.
ولهذا، فإن وحدة الصومال لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مطلبًا وطنيًا فحسب، وإنما باعتبارها مصلحة استراتيجية مشتركة لدول القرن الإفريقي.
البحر الأحمر.. أمنه يبدأ من الصومال
ليس من المبالغة القول إن أمن البحر الأحمر يبدأ من الصومال. فالدولة التي تمتلك أطول ساحل في إفريقيا، وتشرف على خليج عدن والمداخل الجنوبية لباب المندب، لا يمكن أن تكون خارج معادلة الأمن البحري.
لقد تحولت هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر الساحات حساسية في العالم، بسبب تصاعد المنافسة الدولية، وتزايد التهديدات التي تستهدف الملاحة التجارية، وارتباطها المباشر بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز الصومال بوصفه شريكًا لا غنى عنه في حماية هذا الممر الحيوي. وقد أثبتت تجربة القرصنة البحرية أن غياب الدولة الصومالية لم يهدد الصوماليين وحدهم، وإنما أصاب الاقتصاد العالمي في مقتل، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، وأجبر القوى الكبرى على نشر أساطيلها في المنطقة. وكان ذلك درسًا بالغ الدلالة.
الصومال والعمق الاستراتيجي العربي
لطالما نظر العرب إلى البحر الأحمر باعتباره فضاءً عربيًا، غير أن هذه الرؤية تظل ناقصة إذا أغفلت الضفة الإفريقية المقابلة. فالضفتان ليستا منفصلتين، وإنما تشكلان منظومة أمنية واحدة، وأي اختلال في إحداهما سرعان ما ينعكس على الأخرى.

