«الانفصال في حد ذاته تهديد لوحدة الصومال، لكن تحويل أرض الصومال إلى ورقة للتمدد الإسرائيلي يفتح بؤرة توتر جديدة تهدد أمن القرن الأفريقي». —- محمد أحمد عبد الله جوسار
على مدار ثلاثة عقود ونصف، كانت أرض الصومال تتمتع بحكم ذاتي شبه مستقل عن بقية الصومال، مع إصرار على السعي للحصول على اعتراف دولي كجمهورية مستقلة، لكن هذا الحلم طال انتظاره، ولم تُعر القوى الدولية والإقليمية اهتماماً للمزاعم الانفصالية لمناطق شمال غربي الصومال.
ويعود ذلك لأسباب، منها توجس القوى الإقليمية من مخاطر المساس بالحدود السيادية التي تركها المستعمر الأوروبي دون موافقة الدولة المعنية، كما حدث مع إثيوبيا في ملف انفصال إريتريا، خوفاً من أن تصبح بقية مناطق القارة السمراء بمثابة العقد المنفرط؛ إذ تحتضن القارة إرثاً استعمارياً يتمثل في أكثر من مائة نزاع حدودي. وكان الإبقاء على الحدود كما تركها الاستعمار أحد المبادئ التي قامت عليها منظمة الوحدة الأفريقية في مطلع ستينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول إلى الاتحاد الأفريقي.
والسبب الثاني أن غياب الدولة المركزية الصومالية عن المحافل الدولية وانزلاق البلاد في الفوضى جعلا القوى الدولية والإقليمية غير محتاجة إلى استخدام ملف انفصال أرض الصومال كورقة ضغط على مقديشو، حيث كانت هذه القوى تتحرك في طول الصومال وعرضه دون خوف من سلطة صومالية ذات سيادة على أراضيها.
لكن بعد نحو أربعة عقود من إعلان أرض الصومال اعتبار نفسها بلداً مستقلاً عما كان يُعرف بجمهورية الصومال، تأتي إسرائيل لتصبح أول كيان – والوحيد – الذي يعلن اعترافه بإقليم أرض الصومال كبلد مستقل، دون أدنى اعتبار للتداعيات الأمنية والسياسية المترتبة على هذه الخطوة.
لماذا إسرائيل؟ ولماذا هذا التوقيت بالتحديد؟
إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة المبنية على الاحتلال وسرقة الأبرياء من منازلهم لجعلها مستوطنات ليهود الشتات في أنحاء المعمورة. وهي كيان مبني على الغصب وارتكاب المجازر، ولا يعطي للشرعية والقانون الدولي وزناً، لذا لا معنى بالنسبة له لسيادة الصومال وفقاً للقانون الدولي، ولا لميثاق الاتحاد الأفريقي القائم على احترام الحدود التي تركها المستعمر الأوروبي كما هي.
إسرائيل كيان مارق على الشرعية الدولية، وما ترتكبه بحق الفلسطينيين من قتل وتشريد ومجازر يرتفع إلى مستوى الإبادة الجماعية دون خوف من تبعات قانونية أو شرعية. ولهذا لا يحتاج سؤال «لماذا إسرائيل؟» إلى إجابة أكثر من ملاحظة التموضع الإسرائيلي في إطار القانون الدولي، لكن سؤال «لماذا هذا التوقيت بالتحديد؟» يحتاج إلى تناول التطورات السياسية والأمنية في إسرائيل والصومال معاً.
منذ السابع من أكتوبر 2023، تحول المشهد في الشرق الأوسط 180 درجة. فقد شن مقاتلو حركة المقاومة الإسلامية «حماس» هجوماً مباغتاً أسفر عن نحو ألفي قتيل وجريح، واقتياد نحو 250 آخرين رهائن إلى قطاع غزة.
ولم تقتصر التكلفة الفعلية للهجوم على الخسائر البشرية، وإنما امتدت إلى إصابة سمعة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية في مقتل نتيجة عدم توقع إمكانية شن حماس هجوماً كهذا. كما تمرغت في الوحل سمعة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وطالبه معارضوه بالتنحي عن السلطة وتحمل مسؤولية الفشل الأمني والعسكري.
وكما ذكرنا في بداية المقال أن من أهم أسباب تلكؤ القوى الإقليمية والدولية عن ملف انفصال أرض الصومال لأكثر من ثلاثة عقود غياب سلطة مركزية ذات سيادة في الصومال، ما جعل هذه القوى تحقق مطامعها في الداخل الصومالي دون تحمل كلفة ملف بهذا الحجم.
لكن بعد عودة الصومال إلى المحافل الدولية وممارسة حقه السيادي على البر والبحر والجو، ودخول قوى إقليمية في اتفاقيات تعاون واستثمار معه، تحرك بعض المنافسين أو الغاضبين من الدور التركي في الصومال للبحث عن نقطة وجع للصومال وأوراق ضغط عليه. وبما أن إسرائيل كانت من أكثر القوى المناوئة للتمدد التركي، وجدت ملف أرض الصومال كورقة رابحة تثبت وجودها في المشهد.
وفي الوقت نفسه، أصبح نتنياهو بحاجة إلى خلق جبهة جديدة تكون بالنسبة له طوق نجاة وتجعل الشارع الإسرائيلي منتشياً بالبطولة الوهمية لرئيس الحكومة، فكانت النتيجة تطابق الظروف بين نتنياهو وعبد الرحمن عِرّو، رئيس أرض الصومال، الذي كان هو نفسه يبحث عن بطولة جلب الاعتراف.
وكان عِرّو يواجه ضغوطاً داخلية كحاكم جديد تسلم عن سلفه تركة ثقيلة من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية العالقة، إلى جانب ضغوط خارجية، منها التأشيرة الإلكترونية التي فرضتها مقديشو على كل أجنبي يسعى إلى دخول الأراضي الصومالية.
ويضاف إلى ذلك ملف ولاية شمال شرقي الصومال التي تأسست على أجزاء من مناطق المستعمرة البريطانية السابقة التي تسعى أرض الصومال إلى تأسيس جمهوريتها على حدودها الاستعمارية، فكانت النتيجة دخول الطرفين «زواجاً فاسداً تنقصه الشروط والأركان».
الآثار المترتبة والنتائج المتوقعة

