تشهد منطقة القرن الإفريقي تحولات متسارعة تعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق تبرز موانئ إقليم “أرض الصومال” بوصفها أصولًا استراتيجية تتقاطع عندها مصالح متعددة. لم تعد هذه الموانئ مجرد بنية تحتية لخدمة التجارة، بل أصبحت جزءًا من معادلات النفوذ المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية، في ظل تصاعد التنافس الدولي على طرق التجارة والطاقة. ومع احتدام هذا التنافس، تزداد أهمية هذه الموانئ ليس فقط اقتصاديًا، بل أيضًا كأدوات محتملة ضمن ترتيبات أمنية وسياسية أوسع.
خلال الأشهر الماضية، أُثيرت تقارير متباينة حول استخدام بعض الموانئ في أنشطة غير قانونية، من بينها مزاعم تتعلق بعمليات تهريب مرتبطة بنزاعات إقليمية، خاصة في السودان. وقد تزامنت هذه التقارير مع تصريحات لمسؤولين تحدثوا عن دور شبكات دولية في تغذية النزاع.
ورغم عدم وجود إجماع حول دقة هذه المعطيات، فإنها تسلط الضوء على تحديات تتعلق بضعف أنظمة الرقابة والحوكمة في بعض المرافق، وهو ما قد يفتح المجال أمام استغلالها في سياقات أمنية معقدة.
يستمد إقليم “أرض الصومال” أهميته الجيوسياسية من موقعه المطل على خليج عدن، بالقرب من البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يُعد أحد أبرز الممرات البحرية عالميًا. تمر عبر هذا المضيق نسبة كبيرة من التجارة الدولية، بما في ذلك شحنات النفط والغاز المتجهة من الخليج إلى أوروبا، ما يمنح أي نشاط أمني أو عسكري في هذه المنطقة أبعادًا تتجاوز النطاق المحلي إلى التأثير في أمن الطاقة العالمي وسلاسل الإمداد.
تتزامن هذه الأهمية الجغرافية مع تطورات سياسية لافتة، من بينها إعلان إسرائيل في ديسمبر 2025 الاعتراف بإقليم “أرض الصومال”، إلى جانب مؤشرات على رغبة الإقليم في الانخراط ضمن أطر تعاون إقليمي مثل “اتفاقيات أبراهام”. ويمثل هذا التحول انتقالًا من قنوات تواصل غير معلنة إلى علاقات أكثر وضوحًا، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية واستراتيجية.
وقد أثارت هذه الاتفاقيات نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية، حيث يُنظر إليها من زاويتين مختلفتين: فمن جهة، تُطرح كإطار لتعزيز التعاون الاقتصادي والانفتاح الإقليمي، ومن جهة أخرى، يرى بعض المحللين أنها تعكس إعادة تشكيل في أولويات التحالفات الإقليمية، مع ما قد يحمله ذلك من انعكاسات سياسية وثقافية على المدى الطويل.
في حال اقترن هذا الانفتاح بترتيبات أمنية أو عسكرية، مثل إنشاء قواعد أو تقديم تسهيلات لوجستية على السواحل، فإن ذلك قد يفتح المجال أمام تفاعلات إقليمية معقدة. فالموقع الجغرافي القريب من بؤر توتر، خاصة في اليمن، يجعل أي وجود عسكري خارجي عاملًا قد يدفع أطرافًا إقليمية إلى إعادة تقييم مواقفها، وربما اتخاذ إجراءات مضادة ضمن سياق التوازنات القائمة.
تُظهر تجارب مناطق أخرى، مثل الخليج العربي، أن استضافة قواعد عسكرية أجنبية قد تربط الدول المضيفة بمعادلات صراع أوسع، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية. وقد انعكس ذلك في بعض الحالات على شكل استهدافات للبنية التحتية الحيوية، ما يشير إلى أن الانخراط في ترتيبات أمنية خارجية قد يترتب عليه تكاليف أمنية واقتصادية.
وبالقياس على ذلك، فإن أي تحول في دور موانئ إقليم “أرض الصومال” نحو الاستخدامات العسكرية قد يزيد من مستوى المخاطر، ويؤثر على استقرار البيئة الاستثمارية. وفي المقابل، فإن إبقاء هذه الموانئ ضمن إطار اقتصادي وتجاري بحت قد يعزز فرص جذب الاستثمارات وتحقيق النمو.
من ناحية أخرى، لا يمكن إغفال الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي توفرها هذه الموانئ. فالموقع الجغرافي المميز يتيح إمكانية تطويرها كمراكز لوجستية تربط بين إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، بما يسهم في دعم التجارة الإقليمية والدولية. غير أن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب بيئة مستقرة، وسياسات متوازنة، وأطرًا تنظيمية فعالة تضمن الشفافية والكفاءة في الإدارة.

