«الدبلوماسية قد تؤخر الاعتراف بالانفصال، لكن الدولة وحدها قادرة على منع أسبابه وتجفيف البيئة التي تنتجه.» - محمد غوري
في السادس والعشرين من ديسمبر 2025، اعترفت إسرائيل بما سمّته «جمهورية صوماليلاند» دولةً مستقلة ذات سيادة، لتصبح أول دولة عضو في الأمم المتحدة تتخذ هذه الخطوة منذ إعلان الإقليم انفصاله عام 1991. وأعلن الطرفان إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وتبادل السفراء، في إطار ما وصف بـ«روح اتفاقيات إبراهيم».
طلت صوماليلاند عاجزة عن تحقيق الهدف الأهم: الاعتراف ايا كان شكله ولذلك فإن خطورة ما جرى لا تكمن في هوية الدولة التي اعترفت، بقدر ما تكمن في كسر حالة استمرت أكثر من ثلاثة عقود.
تحركت الحكومة الصومالية بسرعة، ونجحت حتى الآن في احتواء الصدمة الأولى. فبعد أكثر من نصف عام، لا تزال إسرائيل الدولة الوحيدة التي اعترفت بصوماليلاند.
غير أن هذا النجاح الدبلوماسي لا يلغي حقيقة أكثر عمقاً، وهي أن البيئة التي قد تُنتج حالات انفصال جديدة لا تزال قائمة داخل الصومال. فالتحدي الحقيقي لا يبدأ من العواصم الأجنبية، بل من طبيعة بناء الدولة نفسها، ومن الكيفية التي توزعت بها أدوات السلطة والسيادة داخل النظام السياسي الصومالي.
أولاً: الاعتراف الأول… كسر لحاجز سياسي لا لتوازن قانوني
على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، شكّل غياب الاعتراف الدولي أكبر عقبة أمام مشروع الانفصال. فمهما بلغت درجة الاستقلال الفعلي، بقيت القاعدة السياسية واضحة: إدارة الإقليم لنفسه لا تكفي لتحويله إلى دولة معترف بها.
ومن الناحية القانونية، لم يتغير شيء. فاعتراف دولة واحدة لا يُسقط سيادة دولة أخرى، ولا يعيد رسم الحدود الدولية، ولا يمنح عضوية في الأمم المتحدة. ولا يزال الصومال، في نظر القانون الدولي والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، دولة واحدة بحدودها المعترف بها.
إلا أن الأثر السياسي مختلف تماماً. فقد أثبت القرار أن الاعتراف بمشروع انفصالي يمكن أن يصبح خياراً استراتيجياً إذا ارتبط بحسابات جيوسياسية أو أمنية أو اقتصادية لدولة ما.
ومن هنا انتقلت القضية من سؤال قانوني إلى سؤال استراتيجي أكثر تعقيداً: إذا أمكن كسر حاجز الاعتراف مرة واحدة، فما الذي يمنع تكرار التجربة في ظروف إقليمية أو دولية مختلفة؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الصومال اليوم: منع الاستثناء من أن يتحول إلى سابقة.
ثانياً: الاستجابة الدبلوماسية… نقل القضية من نزاع ثنائي إلى قضية إقليمية.
أدركت مقديشو منذ البداية أن حصر الأزمة في خلاف ثنائي مع إسرائيل سيكون خطأً استراتيجياً، لذلك عملت على تدويل القضية داخل الإطارين الأفريقي والإقليمي.
فخلال الأيام الأولى، أجرت الحكومة الصومالية مشاورات مع مصر وتركيا وجيبوتي، وأعلنت جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وجماعة شرق أفريقيا رفضها للاعتراف. وفي السادس من يناير 2026، عقد مجلس السلم والأمن الأفريقي جلسة وزارية خاصة أكد خلالها التمسك بوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه، قبل أن تؤكد «إيغاد» والاتحاد الأوروبي الموقف نفسه.
ولم يكن نجاح هذا التحرك قائماً على الحجج القانونية وحدها، بل على إعادة تعريف القضية باعتبارها قضية أمن إقليمي.
فالصومال يقع في قلب منطقة تمتد من البحر الأحمر إلى خليج عدن والمحيط الهندي، حيث تتقاطع خطوط التجارة العالمية مع التنافس الجيوسياسي. ولذلك استطاعت مقديشو أن تطرح وحدة الصومال باعتبارها مصلحة مشتركة، لا مطلباً وطنياً فحسب. ومشروع الانفصال خطرا مشتركا لا شأنا داخليا.
فاستقرار الصومال يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر بالنسبة إلى مصر، وبالشراكة الأمنية بالنسبة إلى تركيا، وبالتوازنات الاستراتيجية في خليج عدن بالنسبة إلى جيبوتي، كما أن دولاً أفريقية أخرى تخشى أن تتحول أي سابقة انفصالية إلى نموذج يمكن استدعاؤه في نزاعاتها الداخلية.
وبذلك تغيّرت الرسالة الصومالية من مطالبة الآخرين بالدفاع عن وحدتها، إلى التأكيد أن حماية وحدة الصومال تسهم في حماية استقرار الإقليم بأسره.
ومع ذلك، يبقى هذا النجاح نسبياً. فمنع موجة جديدة من الاعترافات لا يعني إزالة آثار الاعتراف الأول، خاصة بعدما رسخت إسرائيل وصوماليلاند علاقاتهما الدبلوماسية بتبادل السفراء وترتيبات التمثيل الرسمي.
ثالثاً: حدود النجاح الدبلوماسي
من المهم الاعتراف بأن نجاح الصومال في الحد من انتشار الاعتراف لا يعود كله إلى أدائه الدبلوماسي.
فالسياسة الأفريقية، منذ قرار القاهرة عام 1964، تقوم على احترام الحدود الموروثة، وهو مبدأ يجعل معظم الدول الأفريقية متحفظة تجاه أي مشروع انفصالي، خشية انعكاسه على أوضاعها الداخلية.
كما أن عدداً من الشركاء الدوليين يرتبطون مع مقديشو بملفات مكافحة الإرهاب والأمن البحري، ويرون أن كلفة الاعتراف تفوق مكاسبه السياسية. لذلك، فإن منع الاعتراف الثاني استند أيضاً إلى بيئة دولية مواتية، قد لا تبقى ثابتة مستقبلاً.
لكن الأهم أن هذه القيود كلها خارجية، بينما يبقى العامل الداخلي دون تغيير. فالدبلوماسية تستطيع أن تؤخر الاعتراف، لكنها لا تستطيع أن تمنع نشوء واقع تصبح فيه بعض الأقاليم أقرب إلى الدولة المستقلة على الأرض.
فالانفصال لا يبدأ يوم إعلان الاستقلال، وإنما يبدأ عندما تمتلك وحدة سياسية أدوات ممارسة السيادة بصورة منفصلة عن الدولة.
رابعاً: كيف تتشكل الدولة داخل الدولة؟
تعتمد أي دولة على ثلاث أدوات سيادية رئيسية: الأمن، والمال، والعلاقات الخارجية.
فعندما يمتلك إقليم قوة أمنية تعمل عملياً خارج القيادة الوطنية، يصبح قادراً على فرض قراراته بصورة مستقلة.
وعندما يدير موارده المالية وموانئه وجماركه بعيداً عن إطار مالي اتحادي واضح، تتراجع درجة اعتماده على الحكومة المركزية.
أما عندما يقيم علاقات مباشرة مع الدول والشركات والمؤسسات الأجنبية، فإنه يكتسب هامشاً سياسياً يتجاوز الحدود التقليدية للعلاقات الخارجية للدولة.
وقد شهد الصومال، خلال السنوات الماضية، نماذج متعددة لهذه الظواهر، سواء في مجالات الأمن أو الاستثمار أو إدارة الموانئ أو التعاون الخارجي. ولا يعني ذلك أن جميع هذه الترتيبات كانت تهدف إلى الانفصال، لكن أثرها التراكمي كان مختلفاً.
فكلما ازدادت قدرة الإقليم على إدارة أمنه وموارده وعلاقاته الخارجية بصورة مستقلة، تراجعت عملياً قدرة الدولة الاتحادية على احتكار وظائف السيادة.
وهكذا يتشكل ما يمكن وصفه بـالتفكك الوظيفي: دولة واحدة من الناحية القانونية، لكن عدة مراكز تمارس أجزاءً من وظائف الدولة على أرض الواقع.
وفي هذه المرحلة يبدأ المواطن في التعامل مع الإقليم بوصفه السلطة الفعلية، بينما تتراجع الدولة تدريجياً إلى إطار قانوني أكثر منه واقعاً سياسياً.

