«لم تكن ألحانه زخرفةً صوتية بقدر ما كانت امتدادًا للمعنى، ولم يكن عزفه على العود مرافقةً للغناء، بل حوارًا معه، كأن الآلة والصوت يتبادلان الكلام». -عبد الرحمن غوري
قبل أيام، قيل إن أحمد علي عِغال نُقل إلى المستشفى. قلت في نفسي إنها وعكة صحية وستمر، كما مرت غيرها. فقد عرف الرجل محطات كثيرة في حياته، وكان يخرج منها دائمًا بصوته الهادئ وابتسامته التي اعتادها الناس. يومها بدا الأمل أكبر من الخوف، وبدا الخبر أقرب إلى محطة عابرة في حياة رجل اعتاد أن يتجاوز المحن كما يتجاوز الفنان النغمة الصعبة بثقة وهدوء.
لكن صباح الجمعة حمل خبرًا مختلفًا. ظهر أمامي منشور صغير على فيسبوك ينعى الفنان الكبير. قرأته مرة، ثم عدت إليه مرة أخرى. أغلقت الهاتف وفتحته من جديد، كأنني أبحث عن تكذيب يسبق الحقيقة، أو عن خبر آخر يقول إن الأمر مجرد إشاعة. غير أن الخبر تأكد، ولم يبق إلا التسليم بأن لكل أجل كتابًا، وأن البقاء لله وحده.
هكذا هي لحظات الفقد؛ تأتي صامتة، ثم تترك في القلب ضجيجًا لا يسمعه أحد. يغيب الإنسان، لكن حضوره في الذاكرة يزداد وضوحًا، وكأن الرحيل يعيد ترتيب الصور القديمة ويمنحها حياة جديدة.
لم يأخذني خبر الوفاة إلى المستشفى، ولا إلى الولايات المتحدة حيث رحل، وإنما أخذني إلى المسرح الوطني في مقديشو. هناك رأيته أول مرة. كنت واحدًا من الجالسين في القاعة أترقب ظهوره على الخشبة.
لم أكن أعرف يومها شيئًا عن المقامات ولا عن أسرار التلحين، لكنني كنت أعرف أن لهذا الرجل حضورًا يجعل الصمت جزءًا من الأغنية، وأن الجمهور كان ينتظر ظهوره كما ينتظر بداية حكاية يعرف نهايتها، لكنه لا يمل سماعها.
كان المسرح يومها أكثر من مكان للعروض الفنية؛ كان مساحة تلتقي فيها الذاكرة الوطنية مع الموسيقى، وكانت أصوات الفنانين تعبر عن أفراح الناس وأحزانهم وآمالهم. وفي ذلك المشهد، كان أحمد علي عِغال واحدًا من أولئك الذين لا يحتاجون إلى كثير من الحركة أو الاستعراض حتى يفرضوا حضورهم. كان صوته وحده يكفي.
بدأ أحمد علي عقال الغناء في أواخر الستينيات، في زمن كانت فيه الأغنية الصومالية تتشكل ملامحها الحديثة على أيدي جيل من الفنانين العظام. وكان ذلك زمنًا ازدهرت فيه الكلمة واللحن، وتكامل فيه دور الشاعر والملحن والمغني في صناعة أغنية ما زالت تعيش حتى اليوم.
ولم يكتف عِغال بأن يكون مجرد مطرب يغني، بل ذهب إلى التلحين والعزف حتى أصبح واحدًا من الأسماء القليلة التي جمعت بين جمال الصوت، وموهبة التلحين، وإتقان العود، فترك في كل واحد منها أثرًا لا يمكن الفصل فيه بين الملحن والمغني وعازف الآلة.
لم تكن ألحانه زخرفةً صوتية بقدر ما كانت امتدادًا للمعنى، وعزفه على العود لم يكن مرافقةً للغناء، بل حوارًا معه، كأن الآلة والصوت يتبادلان الكلام. وكانت الأغنية عنده تبدأ قبل أن ينطق بالكلمات، وتستمر حتى بعد أن ينتهي اللحن، لأن أثرها يبقى في الوجدان أكثر مما يبقى في الذاكرة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يحظى باحترام جمهور واسع، ولا أن يحافظ على مكانته عبر عقود طويلة. فالفن الذي يقوم على الصدق لا يحتاج إلى ضجيج حتى يبقى، ولا إلى دعاية حتى يفرض نفسه.
وكان أحمد علي عِغال يذكر دائمًا أن العملاق «أحمد غود شِمْبِر» كان قدوته وأستاذه الأول، وأنه تعلم منه الكثير. ولم يتردد يومًا في الاعتراف بفضله. فقد ظل وفيًا لمن سبقوه، يستحضر أسماءهم بكل تقدير، ويعد نفسه امتدادًا لمدرسة صنعت مجد الأغنية الصومالية.

