«التعامل مع القضية الصومالية باعتبارها مجرد خلاف داخلي بين أطراف صومالية لا يكفي لفهم الصورة الكاملة وتشابك المصالح الدولية حولها.» حسن حُندُبي جِمعالي
قبل نهايات القرن التاسع عشر، حين غزت القوات الأوروبية القارة الأفريقية وتقاسمتها وفقاً لمصالحها، ومن دون أي اعتبار لسكانها أو للروابط التاريخية والاجتماعية التي كانت تجمع شعوبها، كان الصوماليون أمة واحدة متجانسة عرقاً ولغة وديناً ووطناً، يعيشون فيما يُعرف الآن بالقرن الأفريقي، ويديرون شؤونهم عبر دويلات وممالك وسلطنات متجاورة، تتحد وتتحالف أحياناً لدرء الأعداء ومواجهة الأخطار الخارجية، وتستقل أحياناً أخرى لإدارة شؤونها الداخلية والخارجية، خصوصاً في أوقات السلم.
لم تكن الحدود التي قسمت الصوماليين اليوم موجودة بالصورة التي نعرفها، ولم تكن حركة الإنسان الصومالي بين أجزاء موطنه مرتبطة بحدود سياسية فرضتها قوى خارجية. ولذلك، فإن النظر إلى مسألة الوحدة الصومالية بمعزل عن التاريخ الذي أنتج واقع المنطقة الحالي لا يساعد على فهم جذور المشكلة ولا القوى التي أسهمت في تشكيلها.
وعلى ضوء هذا الواقع، فإن وحدة الصومال أو انفصاله ليست أمراً منعزلاً عن دائرة مصالح القوى الغربية التي قسمت الأمة الصومالية، في الأمس القريب، إلى شتات يدور حول المصالح الغربية في القرن الأفريقي. فقد كان التقسيم مرتبطاً، منذ البداية، بصراع القوى الدولية على النفوذ والممرات والمواقع الاستراتيجية، وليس برغبة الصوماليين أنفسهم في أن يعيشوا موزعين بين كيانات وحدود مختلفة.
وإذا كان هذا هو أصل المشكلة، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ما سياسة القوى الغربية ووكلائها في القرن الأفريقي؟ وهل تغيرت هذه السياسة بصورة جوهرية عما كانت عليه في الماضي، أم أن الأدوات والأساليب هي التي تغيرت بينما بقيت المصالح الكبرى على حالها؟
أوكلت القوى الغربية إلى إسرائيل وإثيوبيا، إضافة إلى بعض دول الخليج، أن تكون وكلاء لمصالحها في الشرق الأوسط الكبير، الذي يشمل القرن الأفريقي. ومن هنا، فإن إسرائيل، وهي الوكيل الأول، تتبع نهج القوى الغربية واستراتيجياتها في الشرق الأوسط الجديد وفي القرن الأفريقي. ولا يمكن، من هذا المنظور، فصل التحركات الإقليمية عن التنافس الدولي الأوسع على النفوذ والمصالح.
وتتمثل استراتيجية القوى الغربية في تفكيك الموحّد وتوحيد المفكّك عندما تقتضي مصالحها ذلك. فالمعيار، في نهاية المطاف، ليس وحدة الشعوب أو حقها في تقرير مصيرها بقدر ما هو المصلحة السياسية والاستراتيجية للقوى المؤثرة.
والدليل على ذلك، في الحالة الصومالية، هو تفكيك الصومال، الموحّد أصلاً في كل شيء تقريباً، لأن الغرب ووكلاءه في المنطقة رأوا، وما زالوا يرون، أن الصومال الموحّد والقوي هو ضد مصالحهم في المنطقة. فالصومال يمتلك موقعاً جغرافياً مهماً في القرن الأفريقي، ويطل على ممرات بحرية ذات أهمية كبيرة، ومن الطبيعي أن تكون أوضاعه الداخلية جزءاً من حسابات القوى التي تتنافس على النفوذ في هذه المنطقة.
أما إثيوبيا، المختلفة عرقاً وديناً ولغة، فقد عملت هذه القوى على توحيدها وتقويتها واحترام دولتها المركزية، لأن ذلك، وفق هذه الرؤية، يصب في مصلحتها. ومن هنا تظهر المفارقة: ما يُعدّ وحدة ضرورية في دولة قد يُنظر إليه باعتباره مشكلة في دولة أخرى، وما يُرفض من تقسيم في مكان قد يجد الدعم والتشجيع في مكان آخر. ولم تتغير هذه الرؤى والاستراتيجيات، في جوهرها، منذ نهايات القرن التاسع عشر، وإن تغيرت الأدوات والظروف والشعارات.
ولا يخفى على أحد أن القوى الغربية، حينما رأت مصالحها في انفصال إريتريا عن إثيوبيا، لم تتردد في التعامل مع ذلك الواقع ودعمه. وكذلك الأمر في مسألة جنوب السودان. وهما مثالان من المنطقة يوضحان أن المواقف الدولية من قضايا الوحدة والانفصال ليست ثابتة دائماً، وإنما تتحرك في كثير من الأحيان وفق المصالح والتحالفات والظروف السياسية السائدة.
وبما أن العالم يجري وراء مصالحه بكل السبل، المشروعة وغير المشروعة، ولا يهتم غالباً بمصالح الآخرين إلا بالقدر الذي تتقاطع فيه مع مصالحه، فإن المشكلة لا تكمن فقط في سياسات القوى الخارجية، وإنما أيضاً في قدرة دول المنطقة على حماية مصالحها ووحدتها.
ولهذا، فإن على دول المنطقة التي تتضرر من تفكيك أوطانها، في القرن الأفريقي خصوصاً وفي الشرق الأوسط عموماً، أن تتوحد وتبتكر سياسات مشتركة تحترم سيادة الدول ووحدة أراضيها، وأن تدرك أن ضعف دولة واحدة قد يفتح الباب أمام إضعاف دول أخرى. فالتعامل المنفرد مع هذه التحديات يجعل كل دولة أكثر عرضة للضغوط الخارجية وللتدخل في شؤونها الداخلية.

