«الوحدة ليست عودة إلى الوراء إلى عام 1960، بل هي بناء جديد يحترم التعدد، ويوزع السلطة بعدل، ويضع المواطن الصومالي في المركز، لا النخبة السياسية».
يُعد الصومال من البلدان التي عانت طويلاً من آثار الاستعمار والتقسيم، بعدما كانت أراضيه الممتدة في منطقة القرن الإفريقي تشكل وحدة جغرافية وبشرية واحدة، قبل أن تتعرض للتجزئة بين قوى استعمارية متعددة، فتشتت الشعب الصومالي وتوزعت أراضيه بين بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإثيوبيا وكينيا.
ورغم ذلك، لم يستسلم الصوماليون لهذا الواقع، بل خاضوا مقاومات سياسية وعسكرية دفاعاً عن أرضهم وهويتهم ووحدتهم.
ومع حصول الصومال على استقلاله واتحاد الصومال البريطاني والإيطالي في الأول من يوليو 1960، بدأت مرحلة جديدة من بناء الدولة واستعادة الوحدة، إلا أن مشروع الوحدة الصومالية ظل ناقصاً بسبب بقاء أجزاء من الأراضي الصومالية خارج الدولة المستقلة. ومن هنا تبرز قضية الوحدة الوطنية بوصفها جرحاً تاريخياً لم يلتئم بعد، والحاجة إلى مراجعة أسباب التعثر والعمل على ترميم الوحدة على أسس تحفظ سيادة البلاد وتحقق تطلعات شعبها.
وعندما نالت الأقاليم الشمالية استقلالها عن الاستعمار البريطاني في 26 يونيو 1960، اتجهت بحسن نية نحو إخوتها في الأقاليم الجنوبية، وانضمت إلى مشروع الوحدة دون وضع شروط مسبقة أو الدخول في مفاوضات حول كيفية الاتحاد وتقاسم المناصب.
ومن المهم هنا تصحيح بعض المعلومات؛ فعندما حصلت الأقاليم الشمالية على استقلالها، بينما لم تكن الأقاليم الجنوبية قد نالت استقلالها بعد، كانت هناك دول اعترفت باستقلال الأقاليم الشمالية أو هنأتها بهذه المناسبة.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل كانت تلك الدول تهنئ كياناً يسمى «صوماليلاند» فقط، أم كانت تعتبر تلك الأراضي جزءاً من الصومال والشعب الصومالي؟
والجواب هو أن تلك الدول اعترفت بدولة الصومال بصفتها الحالية التي تضم الشمال والجنوب، ودليل ذلك أن من بينها باكستان، التي قالت إن دولة إسلامية أخرى انضمت إلى الأمم المتحدة. وهذا، في رأيي، يضعف الحجة التي يطرحها بعض الأكاديميين في صوماليلاند اليوم، لأنهم كانوا يرون الصومال، شماله وجنوبه، واحداً لا فرق بينهما.
ولا شك أن إخوتنا في الأقاليم الشمالية أقدموا على خطوة اتسمت بحسن النية، رغم وجود مصالح سياسية لبعض السياسيين من شمال الصومال آنذاك، إذ كان بعضهم يسعى إلى الحصول على مناصب ونصيب أكبر من السلطة، لكنه كان يخشى مواجهة رفض شعبي واسع في الأقاليم الشمالية التي كان سكانها متحمسين لرؤية «الصومال الكبير».
ومنذ بداية ستينيات القرن الماضي، حاول بعض أصحاب المصالح السياسية المنحدرين من الشمال إثارة تحركات تهدف إلى إضعاف الوحدة، في وقت كان فيه الهدف الأكبر جمع الأجزاء الخمسة من الأراضي الصومالية. إلا أن تلك المحاولات لم تحقق هدفها؛ لأن أصحابها كانوا قلة، ولم يجدوا من يشاركهم رأيهم، وصولاً إلى محاولة انقلاب في عهد الرئيس آدم عبدالله عقمان انتهت بالفشل.
وبعد ذلك اتجه بعضهم إلى نهج آخر، يتمثل في تأييد من يمنحهم حصة أكبر في السلطة. فعندما كان أحد أبناء الشمال يتولى منصباً تنفيذياً أو عسكرياً رفيعاً، كان يعمل من أجل الوحدة، أما من لم يحصل على منصب، فكان يتحول إلى القول إن صوماليلاند تعرضت للظلم، وإن الوحدة لم تتحقق بالشكل الذي كانوا يريدونه.
ومن هنا نفهم أن فكرة انفصال الإقليم الشمالي كانت موجودة، وأن الوحدة لم تكتمل منذ تأسيسها، ولم يوضع حجر أساسها بالصورة المنشودة.
كان من المفترض أن يُكتب كل شيء قبل إعلان الوحدة في يوليو. وقد ارتكب القادة الشماليون خطأ عندما جاؤوا إلى مقديشو ولم يطرحوا شروطهم ورؤيتهم بوضوح، لأنه لم يكن هناك من يضغط عليهم. فالسياسة ليست عملاً خيرياً، بل هي «أعطني هذا، أعطيك هذا»، كما قال أحد السياسيين في صوماليلاند في هرجيسا.
وفي المقابل، ارتكب السياسيون الجنوبيون خطأ آخر، لأنهم لم يتركوا لإخوانهم ما يكفي من نصيب في السلطة.
كما كان بعض السياسيين من صوماليلاند يغيرون مواقفهم تبعاً للقيادات التي تعاقبت على حكم البلاد. فبعض من عارضوا الوحدة في عهد الرئيس آدم عبد الله عثمان أصبحوا مؤيدين لها في عهد الرئيس سياد بري، ولا تزال أمثلة كثيرة على ذلك معروفة حتى اليوم.
وفي أواخر الثمانينيات، عندما زار الرئيس سياد بري هرجيسا، طالب بعض أبناء الشمال بحل الخلافات مع الجبهة ومعالجة مظالمهم. وبحسب ما ذكر السفير عَوِل مؤخراً في أحد حواراته، تضمنت بعض المطالب إقالة سياسيين والإفراج عن معتقلين وما شابه ذلك.
والسفير عَوِل نفسه مثال على تغير المواقف السياسية؛ فقد كان معارضاً في عهد الرئيس آدم عبد الله عثمان، ثم أصبح في عهد الرئيس سياد بري مؤيداً للنظام، وعمل من أجل الوحدة وتولى عدداً من المناصب خلال فترة الثورة.
وقد دار حديث بيني وبين أحد كبار السن من أبناء الشمال، فسألته: كيف يمكن إيجاد حل يعيد الأقاليم الشمالية إلى حضن الدولة الصومالية؟
فأجابني بأنهم يرون أن الانفصال وحده هو الحل والأفضل لهم. فقلت له: ماذا لو انضممنا نحن إليكم، وأصبحنا جميعاً «صوماليلاند»، وأصبحتم أنتم من يتولى المناصب؟ فقال: «لا نثق بكم مهما حدث، لأن عددكم أكثر منا، وبعد فترة قليلة ستأخذون كل شيء».
ومن هنا أدركت أن بعض أبناء صوماليلاند يرون أن عودتهم إلى الصومال ستجعلهم أقلية لا تستطيع التأثير في السياسة الصومالية، ولذلك يفضلون حماية مصالحهم السياسية من خلال التلويح بخيار الانفصال.
وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن إعادة بناء الثقة مع إخوتنا الصوماليين في الأقاليم الشمالية؟

