تقف الصومال عند مفترق طرق اقتصادي حاسم مع بدء أول حملة حفر نفطي بحري منذ عقود—وهي "فرصة طالما اعتُبرت بوابة للازدهار، لكنها ليست مضمونة. ومع انطلاق بئر عُرَدْ-1، تواجه البلاد اختبارًا مصيريًا في الحوكمة سيحدد ملامح مستقبلها".
نشأتُ وأنا أسمع كثيرًا أن الموارد الطبيعية غير المستغلة في الصومال ستُحدث يومًا تحولًا في الأوضاع الاقتصادية للبلاد. ويبدو أن هذا الوعد بدأ يتحقق مع وصول سفينة الحفر التركية “جغري باي” إلى ميناء مقديشو، والتي من المقرر أن تبدأ حفر بئر “عُرَد-1” هذا الشهر.
تُعد هذه أول حملة حفر بحرية في الصومال في التاريخ الحديث، وقد تفتح الباب أمام إمكانات اقتصادية طال انتظارها. غير أن الأبحاث تشير إلى أن مسار التنمية الاقتصادية يتشكل بدرجة أقل من خلال وفرة الموارد، وبدرجة أكبر من خلال جودة المؤسسات التي تحكم وتنظم وتعيد استثمار هذه الموارد لصالح الصالح العام.
في هذا السياق، لا يُعد النفط بطبيعته عاملًا تحويليًا؛ بل إن المؤسسات هي التي تحدد كيفية تخصيص عائداته وتنظيمها وإعادة استثمارها. وبعبارة أخرى، فإن نجاح استراتيجية النفط في الصومال يعتمد في نهاية المطاف على قرارات الحوكمة.
يجب على الصومال أن يوظف عائدات النفط لبناء قوة عاملة ماهرة وتعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد. والفشل في ذلك قد يؤدي إلى تعميق الفقر وعدم المساواة، وإهدار فرصة تاريخية للتحول الوطني.
المؤسسات، لا النفط، هي التي ستحدد النتيجة
تقدم تجارب الدول الأخرى الغنية بالموارد دروسًا وتحذيرات في آنٍ واحد. فقد استثمرت بوتسوانا ثرواتها في السلع العامة والنمو طويل الأجل. كما استخدمت دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة عائدات النفط لتنويع اقتصاداتها والاستثمار في الطاقة المتجددة، استعدادًا لمرحلة ما بعد النفط.
لكن المخاطر واضحة أيضًا. ففي نيجيريا، تتعايش الثروة النفطية مع فقر مستمر، بسبب ضعف الحوكمة. وفي أنغولا، أدى الاعتماد المفرط على النفط إلى محدودية التنويع وزيادة التعرض لصدمات الأسعار. أما في جنوب السودان، فقد أسهمت عائدات النفط في تغذية عدم الاستقرار وتعميق الهشاشة الاقتصادية. وتؤكد هذه الحالات حقيقة أساسية: النفط لا يحدد النتائج—بل المؤسسات.
تواجه استراتيجية النفط في الصومال الآن قرارات حوكمة مماثلة. ولتحقيق النجاح، يجب أن تكون الشفافية مطلقة. ينبغي الكشف عن العقود واتفاقيات التراخيص وتدفقات الإيرادات علنًا، وإخضاعها لرقابة مستقلة.
كما ينبغي إنشاء صندوق سيادي أو صندوق للأجيال القادمة بقواعد مالية واضحة، لمنع الاستحواذ قصير الأجل وضمان الاستثمار طويل الأمد. ويجب تحديد آليات تقاسم الإيرادات بوضوح بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء لتجنب النزاعات وتعزيز التماسك الوطني.
ويجب أيضًا فرض ضوابط بيئية صارمة. فقانون البترول الصومالي لعام 2020 يوفر بالفعل أساسًا قانونيًا، لكن التنفيذ هو العامل الحاسم. وبنفس القدر من الأهمية، يجب بناء القدرات المحلية.
لا ينبغي أن يتحول قطاع النفط إلى قطاع معزول تهيمن عليه الشركات الأجنبية. يجب على الصومال الاستثمار في المهارات التقنية، والشركات المحلية، والمؤسسات التنظيمية لضمان مشاركة المواطنين بشكل فعّال في هذا القطاع.

