ما حقيقة هذا النفط الذي يتحدث عنه الجميع هذه الأيام؟ وهل نحن أمام اكتشاف وشيك يعيد رسم ملامح البلاد، أم أمام موجة جديدة من التفاؤل الذي يسبق الواقع؟ ثم إذا كان النفط موجودًا فعلًا، فهل المشكلة في وجوده أم في طريقة التعامل معه؟ ومن قال إن الثروة وحدها تكفي لصناعة الحل، أم أننا نعيد إنتاج الوهم بصيغة أكثر إغراء؟
ليس من الصعب تفسير موجة الحماس التي ترافق هذا الحديث؛ فالدول التي تعاني أزمات ممتدة لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عما يخفف وطأة الواقع، فتتعلق بأي وعد كبير، خصوصًا إذا بدا قادرًا نظريًا على اختصار الطريق إلى التعافي. لكن المشكلة لا تكمن في الأمل ذاته، بل في الطريقة التي يُدار بها، وفي السرعة التي يتحول فيها من احتمال هش إلى ما يشبه الحقيقة الراسخة.
ما يجري اليوم لا يقف عند حدود التفاؤل المشروع، بل يتجاوزها إلى صناعة يقين سابق لأوانه. فالمؤشرات، مهما بدت إيجابية، لا تعني أن الاكتشاف بات أمرًا واقعًا، ولا أن العوائد أصبحت مسألة وقت. ومع ذلك، يتصرف الخطاب العام كما لو أن المسألة قد حُسمت، وكأن الصومال دخل فعلًا مرحلة ما بعد النفط.
لكن، هل يكفي تكرار الفكرة لتصبح حقيقة؟ وهل علمتنا تجارب الدول أن الطريق من الاكتشاف إلى الاستقرار طريق مستقيم؟ أم أنها علمتنا العكس تمامًا: أن الموارد، حين تسبق المؤسسات، تتحول من فرصة إلى عبء، ومن وعد إلى مصدر صراع؟
ثم دعونا نقترب من جوهر المسألة: هل المشكلة في غياب النفط، أم في عجزنا عن الاتفاق عليه؟ من يملك القرار؟ ومن يحدد الحصص؟ ومن يضمن التنفيذ؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلًا فنيًا، بل هي لب القضية، وقبل الإجابة عنها يصبح الحديث عن المليارات أقرب إلى الدعاية منه إلى التحليل.
هذا الخلط بين الاحتمال والنتيجة ليس جديدًا، لكنه في الحالة الصومالية أكثر خطورة، لأنه يتقاطع مع واقع سياسي لم تُحسم بعد أساسياته. فالرهان على مورد لم تتحدد قواعده بعد ليس تعبيرًا عن ثقة، بل عن هروب جماعي من مواجهة الأسئلة الصعبة.
قد يُقال إن الناس بحاجة إلى الأمل، وهذا صحيح. لكن الأمل الذي لا يستند إلى حساب يتحول إلى خداع جماعي. ومن قال إن التفاؤل يلغي التعقيد؟ وهل نسينا أن دولًا كثيرة غرقت في ثروتها لأنها لم تُحسن إدارتها، ولم تمتلك دولة قادرة على احتوائها؟
ما نشهده اليوم ليس مجرد تفاؤل، بل أقرب إلى اقتصاد الأماني. ومع كل خبر يكبر الوعد، ومع كل تعطل يزداد اليقين. والأخطر أن هذا الخطاب، حين ينتفخ، يصنع واقعًا نفسيًا موازيًا، تصبح فيه التوقعات أعلى من قدرة الواقع على تلبيتها. وعندها، لا يكون التعطل مشكلة تقنية، بل يتحول إلى أزمة ثقة، وإلى خيبة سياسية واجتماعية قد تكون كلفتها أعلى من كلفة غياب النفط نفسه.
يبقى السؤال الحقيقي: هل الدولة جاهزة؟ ليس بالكلام، بل بالبنية. هل توجد مؤسسات قادرة على الرقابة؟ هل هناك قانون مقبول من الجميع؟ أم أن الثروة، إن جاءت، ستقع في فراغ تنظيمي يفتح بابًا أوسع للصراع؟
المشكلة، في تقديري، ليست في الثروات الكامنة تحت الأرض، بل في الخلل الذي يعتري الإنسان فوق الأرض. فالثروة، إذا سبقت النظام، لا تنقذ بل تربك، ولا تبني بل تفكك. وإذا دخلت بيئة لم تُحسم فيها الأسئلة الكبرى، فإنها لا تكون نعمة، بل اختبارًا قاسيًا.
لا يعني ذلك التقليل من أهمية النفط، لكن تحويله إلى حل جاهز لكل الأزمات ليس فقط تبسيطًا، بل تضليلًا. فالثروة لا تعوض غياب الدولة، بل تفضحه. والفارق بين من استفاد ومن دفع الثمن لم يكن في حجم الموارد، بل في وجود نظام قادر على إدارتها.

