لطالما ارتبطت صورة الصومال برواية تُكتب بحبر عدم الاستقرار. غير أن هذه الصورة آخذة في التغير اليوم، إذ يعيد الصومال صياغة موقعه بلغة الإنصاف والتحكيم والثقة المؤسسية. وباتت الرسالة الموجهة إلى دوائر المال والأعمال العالمية واضحة: إن مخاطر الاستثمار في الصومال لم تعد تفوق مخاطر تفويت الفرص المتاحة فيه.
في أجواء مقديشو المشبعة برطوبة البحر هذا الأسبوع، شهدت البلاد تحولًا هادئًا لكنه عميق في طريقة انخراط جمهورية الصومال الفيدرالية في الاقتصاد العالمي. فعلى مدى يومين، اجتمع صناع القرار والخبراء القانونيون وممثلو القطاع الخاص في ورشة عمل لم تقتصر على الجوانب الفنية، بل شكّلت إعلانًا صريحًا عن تنامي الإرادة الاقتصادية الوطنية.
وقد تمثّل أبرز مخرجات هذه الورشة في إطلاق نموذج الجيل الثاني من اتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار (BIT)، وهو إطار وطني متقدم صُمّم لضمان أن تخدم الاستثمارات الأجنبية المباشرة مصالح الشعب الصومالي بقدر ما تحقق عوائد للمستثمرين الدوليين.
وعلى مدى عقود، كان الصومال في موقع المتلقي ضمن منظومة القانون الاقتصادي الدولي، معتمدًا نماذج استثمارية صيغت في عواصم بعيدة، وغالبًا في ظروف استثنائية، حيث كانت الأولوية لحماية رأس المال أكثر من دعم التنمية المحلية. إلا أن هذه المرحلة قد طُويت.
فمن خلال إعداد نموذج وطني موحد للاستثمار، لا يكتفي الصومال بفتح أسواقه، بل يضع بنفسه قواعد اندماجه في الاقتصاد العالمي، منتقلًا من موقع الضرورة إلى موقع الشراكة الاستراتيجية.
ويعكس هذا الإطار فهمًا حديثًا لمفهوم الاستثمار، إذ يتجاوز الأصول التقليدية ليشمل الملكية الفكرية والعمليات التقنية والامتيازات التجارية. وفي عالم أصبحت فيه المعرفة والبيانات لا تقل قيمة عن الموارد الطبيعية، فإن هذا التوجه يواكب التحولات الاقتصادية المعاصرة.
وفي الوقت ذاته، يلتزم النموذج بالمعايير الدولية من خلال ضمان المعاملة العادلة والمنصفة (FET) والحماية والأمن الكاملين (FPS)، بما يوفر للمستثمرين بيئة قانونية مستقرة تشجع على ضخ استثمارات طويلة الأجل.
غير أن هذا الانفتاح لا يأتي على حساب المصالح الوطنية. فبينما يضمن الصومال مبدأ الدولة الأولى بالرعاية (MFN) والمعاملة الوطنية (NT)، فإنه يحتفظ بهامش سيادي في قطاعات حساسة مثل الأراضي والعقارات، إدراكًا لأهميتها في تحقيق الاستقرار الاجتماعي وبناء السلام.
ومن أبرز ملامح التطور في هذا النموذج إدراج استثناءات عامة قوية، تعالج الانتقادات التقليدية لاتفاقيات الاستثمار التي كانت تُقيّد قدرة الدول على سنّ سياسات عامة خشية النزاعات القانونية. فقد أكد الإطار الجديد حق الدولة في اتخاذ تدابير غير تمييزية لحماية الصحة العامة والبيئة والموارد الطبيعية.
كما يبعث الصومال برسالة واضحة بشأن نوعية الاستثمارات التي يسعى إلى جذبها، حيث يركز على رؤوس الأموال طويلة الأجل ذات الأثر التنموي، والمتوافقة مع معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG)، بدلًا من الاستثمارات قصيرة الأجل ذات الطابع المضاربي.
ولتعزيز الشفافية، يعمل الإطار على تطوير آليات تسوية النزاعات والتحكيم، مع توضيح مفاهيم العوائد والاختصاص القضائي، بما يسهم في تقليص ما يُعرف بـ”علاوة المخاطر الصومالية”.
كما يضع معايير أكثر صرامة لتعريف المستثمر، من خلال اشتراط وجود نشاط اقتصادي فعلي في بلد المنشأ، للحد من استخدام الشركات الوهمية أو التحايل القانوني، وضمان أن تكون الاستثمارات ذات قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني.
ولا يأتي هذا التوجه بمعزل عن سياق أوسع، بل يشكل ركيزة أساسية ضمن خطة التحول الوطني (2025–2029)، ويمهد الطريق لتحقيق رؤية الصومال 2060، التي تهدف إلى بناء اقتصاد صناعي متوسط الدخل.

