«من دون حوار، يمكن حتى لأقوى المكاسب السياسية أن تتفكك سريعًا في الدول الهشة».
في الديمقراطيات الهشة والانتقالية، نادرًا ما يكون التقدم خطًا مستقيمًا. فهو يُصاغ عبر التفاوض، ويُختبر باستمرار، وغالبًا ما يتأخر بفعل انعدام الثقة وتضارب الطموحات. ومع ذلك، تبقى هناك قاعدة ثابتة: لا يمكن لأمة أن تمضي قدمًا بشكل جماعي إذا كان فاعلوها السياسيون يشدّون في اتجاهات متعارضة.
عندما يغيب التوافق وتكون القدرات المؤسسية ضعيفة، يغدو الإغراء كبيرًا لفرض النتائج بالقوة. لكن التاريخ يُظهر أن هذا النهج، في أغلب الأحيان، يؤدي إلى التراجع بدلًا من الإصلاح.
وهذا تذكير—في وقته وضروري—للحكومة والمعارضة على حد سواء: إن مسؤولية حماية الدولة تتجاوز الرغبة في السيطرة عليها.
بالنسبة للحكومة، فإن امتلاك السلطة لا يعني احتكار المجال السياسي، بل يفرض واجب توسيعه. فالحكم يجب أن يتجاوز الانتصارات قصيرة الأمد، ويركّز على بناء الثقة، وتعزيز المؤسسات، وفتح المجال للاختلاف.
الإدارة الواثقة لا تخشى النقد، بل تنخرط فيه. وحين يتم تجاهل أصوات المعارضة أو تقييدها، تتعمق الاستقطابات وتتآكل الشرعية. فالتقدم الذي يتحقق دون شمولية غالبًا ما يكون مؤقتًا.
أما بالنسبة للمعارضة، فيجب أن يستند موقفها إلى المسؤولية. فالمعارضة ليست مجرد سعي لاستبدال من هم في السلطة، بل هي أيضًا تقديم بدائل موثوقة وحماية المصلحة الوطنية.
وعندما تتحول المعارضة إلى مجرد تعطيل، أو تعتمد على التحريض دون رؤية واضحة، فإنها تُضعف ثقة الجمهور وتخاطر بزعزعة النظام الذي تسعى إلى وراثته. فالمعارضة المسؤولة تُقوّي الديمقراطية، بينما المعارضة المتهورة تُرهقها.
وفي صميم هذين الدورين، تكمن مسؤولية مشتركة: اختيار الحوار بدل المواجهة. فالحوار ليس علامة ضعف أو استسلام، بل هو الأداة الأكثر فاعلية في إدارة الدولة. فهو يفتح المجال للتسويات، ويقلل من مخاطر الصراع، ويضمن ألا تتحول المنافسة السياسية إلى أزمة.
أما رفض الانخراط—أو الأسوأ من ذلك، اللجوء إلى العنف أو التحريض—فيقوّض أسس الحكم ويُعيق التقدم الوطني.
المبدأ بسيط لكنه عميق: عندما لا تستطيعون التقدم معًا، فاثبتوا في مواقعكم—ليس بالقوة، بل بالصبر—حتى يُبنى التوافق وتُعزّز القدرات.
لا تتراجعوا. لا تشعلوا الصراع. لا تُقامروا باستقرار الدولة. بل استثمروا في الحوار، مرة بعد مرة، حتى يتبلور طريق إلى الأمام.
وهذا يتطلب انضباطًا. ويتطلب ضبط النفس. وفوق كل ذلك، يتطلب قيادة ترى أبعد من المكاسب السياسية الآنية.
الصومال، مثل العديد من الدول التي تمر بمرحلة انتقال سياسي معقدة، تقف عند مفترق دقيق. فقد تحققت مكاسب—لا سيما في مجالي الأمن والحكم—لكنها تظل قابلة للانتكاس إذا لم تُرسَّخ باتفاق سياسي واسع.
والدرس من الانتكاسات السابقة واضح: الإقصاء والمواجهة يحملان كلفة باهظة، بينما يوفّر التوافق—رغم بطئه—استدامة حقيقية.

