“في الصومال، لا تكمن أزمة العشيرة في وجودها، بل في تجاوزها لحدودها الطبيعية. فما كان ينبغي أن يظل مصدرًا للذاكرة والانتماء والاستمرارية الثقافية، أصبح في كثير من الأحيان لغةً للشكوى عند الخسارة، وسُلّمًا للمنفعة عند المكسب. وبين هذين الانحرافين، يختل التوازن الأخلاقي للفرد والدولة معا”.
—-
ليست المشكلة في العشيرة بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تُستدعى بها عند الحاجة، وتُستثمر بها عند الفرصة. ففي لحظة، تتحول إلى مظلومية تُرفع لتفسير الفشل، وفي لحظة أخرى، إلى وسيلة تُستغل لجلب المنفعة. وبين هذين الاستخدامين، يتآكل المعنى الأخلاقي للانتماء، وتفقد الهوية توازنها بين ما تمنحه وما يُطلب منها.
حين تُستدعى المظلومية، لا يعود الفرد معنيًا بمراجعة ذاته. يتراجع سؤال المسؤولية ليحل محله خطاب الشكوى. يصبح الإخفاق نتيجة ظلمٍ مفترض، لا نتيجة تقصيرٍ محتمل. ومع الزمن، يتحول هذا الخطاب إلى نمط تفكير، يعيد إنتاج العجز بدل تجاوزه، ويُقيد الإرادة داخل حدود الماضي. فالمجتمع الذي يفسر نفسه باستمرار من خلال جراحه، يفقد تدريجيًا قدرته على المبادرة، ويستبدل الفعل بالتفسير، والعمل بالانتظار.
لكن استدعاء المظلومية، مهما بدا مبررًا، يحمل في طياته خطرًا خفيًا: أنه يعفي الفرد من واجب التغيير. فمن يفسر كل شيء بالظلم، لن يرى ضرورة في مراجعة أدواته أو تطوير ذاته. وهكذا، تتحول العشيرة من إطار تضامن إلى أداة تبرير، ومن رابطة حماية إلى غطاء للركود.
وفي المقابل، حين تُقتنص المنفعة عبر العشيرة، يتعرض مبدأ العدالة لتشويه عميق. لا يعود الاستحقاق قائمًا على الكفاءة، بل على القرب. تُفتح الأبواب لمن ينتمي، وتُغلق في وجه من يستحق. وما يبدو دعمًا للأقربين، هو في حقيقته إقصاء للآخرين، وإضعاف للمعايير التي يقوم عليها أي نظام سليم. في هذه اللحظة، لا تُكافأ الكفاءة، بل تُعاقَب؛ لأنها لا تنتمي.
هذا الاستخدام النفعي لا يبقى في حدود الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات. تتسلل المحاباة إلى التوظيف، وتتراجع النزاهة أمام الولاء، وتُعاد صياغة مفهوم النجاح ليصبح مرتبطًا بالشبكات لا بالقدرات. وفي مثل هذا السياق، لا يخسر الأفراد فقط، بل تخسر الدولة قدرتها على العمل بكفاءة وعدالة. إذ لا يمكن لمؤسسة تُبنى على الانتماء أن تنتج نظامًا عادلًا، ولا يمكن لنظام يفتقد العدالة أن يحقق الاستقرار.
وهكذا، تتحرك العشيرة بين حدّين متناقضين في الظاهر، متكاملين في الأثر: مظلومية تُستدعى لتبرير العجز، ومنفعة تُقتنص لتجاوز الاستحقاق. وفي الحالتين، يختل التوازن الأخلاقي، ويتراجع مفهوم المواطنة لصالح انتماءات ضيقة تُعيد إنتاج نفسها على حساب الدولة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إلغاء العشيرة، بل في إعادة ضبط موقعها. فالعشيرة، في أصلها، ليست أداة سلطة، بل بنية ثقافية. هي ذاكرةٌ تُروى، لا سلطةٌ تُمارس. هي حكايات أجداد، وأنساب محفوظة، وأشعار، وتجارب تشكّل وجدان الجماعة. إنها ثقافة حيّة، تُغذّي الإحساس بالانتماء، لكنها لا تُفترض أن تحدد مسار القرار.
حين تُعاد العشيرة إلى هذا المعنى، تستعيد براءتها الأولى: هوية تُحفظ لا أداة تُستخدم، وإطارٌ ثقافي يُصان لا وسيلة تُستغل. عندها، يمكن للفرد أن ينتمي دون أن يتحول الانتماء إلى عبء أخلاقي، أو إلى وسيلة للهيمنة.
السؤال إذن ليس: كيف نتخلص من العشيرة؟ بل: كيف نُعيدها إلى حدودها الطبيعية؟ كيف نحفظها في الذاكرة، دون أن نسمح لها بأن تحكم الحاضر؟
الجواب يبدأ من إعادة ترتيب العلاقة بين الفرد وهويته. أن يدرك الإنسان أن انتماءه جزء من تعريفه، لكنه ليس مبررًا لسلوكه. وأن ما يحق له أن يعتز به، لا يحق له أن يستخدمه ذريعة أو وسيلة.
في أفق ما بعد العشائرية، لا يُلغى الانتماء، بل يُهذّب. لا يُنكر، بل يُضبط. فالفرد يظل ابن بيئته، لكنه ليس أسيرًا لها. يعي جذوره، لكنه لا يسمح لها بأن تحدد مصيره الأخلاقي.
ومن هنا، لا يجوز أن تكون العشيرة الحجة الأخيرة في أي قرار. لا في التوظيف، ولا في الترقية، ولا في التبرير، ولا في الحماية. فحين تصبح الهوية معيارًا حاسمًا، تفقد طابعها الثقافي، وتتحول إلى أداة خلل في بنية العدالة.

