“في الصومال، لا تموت المشاريع الوطنية بسبب غياب الأفكار، بل بسبب فائض الطموحات الشخصية. فكلما اقترب مشروع من التحقق، ظهر من يريد تأجيله لا لأنه يرفضه، بل لأنه لم يكن صاحب التوقيع الأخير عليه”.
في السياسة الصومالية، تتكرر ظاهرة باتت تؤثر بصمت في مسار البلاد السياسي منذ ما يقارب ثلاثة عقود: كثير من القادة يطرحون مشاريع وطنية طموحة أثناء سعيهم للوصول إلى السلطة، ثم يتحولون إلى معارضة تلك المشاريع ذاتها بمجرد فشلهم في الوصول إليها.
هذه الظاهرة لا ترتبط بإدارة بعينها، أو معارضة محددة، أو جيل سياسي معين، بل أصبحت سمة بنيوية في الثقافة السياسية الصومالية؛ دورة متكررة تُقاس فيها المشاريع الوطنية ليس وفق قيمتها الاستراتيجية، بل وفق الجهة التي ستحصل على الفضل في تنفيذها.
وفي قلب هذه الدورة يكمن دافع سياسي أعمق: فالكثير من السياسيين الطموحين في الصومال لا يعارضون مشاريع بناء الدولة في حد ذاتها، بل يريدون فقط أن يكونوا هم من ينفذها عندما يصلون إلى «فيلا صوماليا». وبمعنى آخر، فإنهم يسعون سياسيًا إلى “إيقاف الساعة” حتى يحين دورهم.
وقد أثرت هذه الظاهرة في معظم المبادرات الوطنية الكبرى التي شهدها الصومال خلال السنوات الأخيرة.
خذ على سبيل المثال الانتخابات المباشرة.
لسنوات طويلة، وعد قادة سياسيون من مختلف الاتجاهات بنقل البلاد من نظام الانتخابات غير المباشرة القائم على المحاصصة القبلية إلى نظام الاقتراع العام المباشر. وأصبح شعار “شخص واحد، صوت واحد” من أكثر الشعارات تداولًا في الحملات الرئاسية، ومؤتمرات المعارضة، والبرامج السياسية.
لكن ما إن تحاول أي إدارة تنفيذ هذه العملية على أرض الواقع، حتى تظهر موجة من المقاومة، غالبًا من سياسيين كانوا من أبرز المدافعين عن الفكرة نفسها في السابق.
ويطرح المنتقدون مخاوف مشروعة تتعلق بالأوضاع الأمنية، وجاهزية المؤسسات، وتسجيل الناخبين، والتوافق الدستوري، واحتمالات التلاعب السياسي. وبعض هذه المخاوف حقيقي ويستحق النقاش الجاد. فالصومال لا يزال دولة هشة خارجة من نزاعات، مع سيطرة غير متساوية على الأراضي وخلافات فدرالية لم تُحسم بعد.
لكن التناقض يبقى واضحًا: كثير من الفاعلين السياسيين الذين يحذرون اليوم من مخاطر الانتخابات المباشرة، كانوا في السابق يعتبرونها حجر الأساس لمستقبل الصومال الديمقراطي.
الديناميكية نفسها ظهرت في النقاشات المتعلقة برفع حظر السلاح.
لسنوات، جادل القادة الصوماليون بأن البلاد لا يمكن أن تستعيد سيادتها وهي تعتمد على هياكل أمنية تخضع لتنظيم خارجي. وكان حظر السلاح يُقدَّم بوصفه رمزًا لسيادة منقوصة ومعاملة دولية غير متكافئة.
لكن عندما تكثفت الجهود لتخفيف القيود على شراء الأسلحة، بدأت أطراف من المعارضة السياسية فجأة تحذر الشركاء الدوليين من مخاطر انتشار السلاح، وسوء استخدامه، وتسييسه عسكريًا.
مرة أخرى، كانت بعض المخاوف مشروعة. فالقطاع الأمني الصومالي لا يزال منقسمًا، كما أن النفوذ القبلي داخل مؤسسات الدولة يعرقل بناء قوات وطنية متماسكة.
لكن اللافت كان السرعة التي انتقلت بها اللغة السياسية من الحديث عن السيادة والكرامة الوطنية إلى التحذير من الفوضى، بمجرد أن ارتبطت المبادرة بإدارة منافسة.
الأمر ذاته تكرر في ملف إعفاء الديون.
فقد أمضت الحكومات الصومالية المتعاقبة سنوات في السعي للحصول على إعفاء الديون ضمن مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC). وكانت النخب السياسية متفقة إلى حد كبير على أن تعافي الاقتصاد الصومالي يعتمد على استعادة الوصول إلى التمويل الدولي، وتعزيز ثقة المستثمرين، والخروج من عزلة مالية استمرت لعقود.
لكن عندما بدأت البلاد تقترب من استكمال مراحل الإعفاء في ظل الإدارة الحالية، بدأ بعض المنتقدين يصورون العملية باعتبارها مدفوعة من الخارج، أو محفوفة بالمخاطر الاقتصادية، أو خاضعة للتوظيف السياسي.
والمفارقة أن إعفاء الديون لم يكن يومًا قضية خلافية من حيث المبدأ. فجميع الفاعلين السياسيين الرئيسيين تقريبًا كانوا يدركون أهميته الاستراتيجية. لكن ما أصبح محل نزاع هو ملكية الإنجاز السياسي.
أما الجدل الدستوري، فيعكس النمط نفسه بصورة أكثر حدة.
فجميع الأطراف السياسية الصومالية تقريبًا تعترف علنًا بأن الدستور المؤقت يحتوي على ثغرات وغموض يتطلبان المراجعة. كما أن النظام الفدرالي لا يزال غير مكتمل التعريف، في حين ظلت قضايا تقاسم السلطة، والصلاحيات القضائية، والنظام الانتخابي، وبنية السلطة التنفيذية بحاجة إلى حسم.
لكن الإصلاح الدستوري يتحول إلى ملف سام كلما شعرت جهة سياسية بأن جهة أخرى قد تستفيد من صياغة الإطار النهائي.
ولهذا، فإن القوى السياسية التي كانت تطالب باستكمال الدستور تتحول فجأة إلى الدفاع عن التأجيل الإجرائي، أو التشكيك في الشرعية، أو التحذير من الانفراد بالقرار. وفي المقابل، تجد حكومات كانت تنتقد التعديلات الدستورية وهي في المعارضة، تتحول إلى داعم متحمس للإصلاح السريع عندما تصل إلى السلطة. المواقف تتغير… لكن الدورة تستمر.
والأمر ذاته ينطبق على الموارد الطبيعية في الصومال.
لسنوات، تحدث القادة الصوماليون بحماس عن أهمية استكشاف النفط البحري والبري، وتطوير الغاز، واستغلال الثروة السمكية والمعادن. وكانت الموارد الطبيعية تُقدَّم باعتبارها الأساس الاقتصادي لدولة صومالية قادرة على تمويل أمنها وتنميتها ذاتيًا.
لكن كلما تقدمت اتفاقيات الاستكشاف في عهد إدارة منافسة، تظهر مقاومة سياسية شرسة.

