«لم يعد النزاع حول صوماليلاند قضية داخلية فحسب، بل أصبح جزءًا من صراع إقليمي ودولي تتداخل فيه المصالح والنفوذ.» عمر أبوبكر محمد.
——-
شكّل الإعلان الإسرائيلي، في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، الاعتراف بإدارة صوماليلاند، كأول دولة تقدم على هذه الخطوة منذ إعلان الإقليم انفصاله من جانب واحد قبل نحو خمسة وثلاثين عامًا، صدمةً سياسية ودبلوماسية في الصومال ولدى القوى المنخرطة في ملفه.
فقد مثّل هذا القرار تحولًا نوعيًا في معادلات الصراع، بعدما نقل قضية صوماليلاند من إطارها المحلي والإقليمي إلى ساحة التنافس الدولي، مع دخول إسرائيل على خط الأزمة بوصفها إحدى أكثر الدول انخراطًا في الصراعات الجيوسياسية المعاصرة وإثارةً للجدل على الساحة الدولية.
ولم تكن الصدمة نابعة من الاعتراف في حد ذاته، بقدر ما ارتبطت بطبيعة الدولة التي اتخذت هذه الخطوة؛ إذ بدا أن القرار الإسرائيلي انطلق، في المقام الأول، من اعتبارات جيوسياسية وأمنية، وأن الاعتراف بصوماليلاند لم يكن غايةً بحد ذاته، بقدر ما كان أداةً لتعزيز حضور إسرائيل وترسيخ نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، التي تُعد من أكثر مناطق العالم استقطابًا لتنافس القوى الإقليمية والدولية.
تحرك صومالي لمواجهة الاعتراف الإسرائيلي
أدخل القرار الإسرائيلي الحكومة الفيدرالية الصومالية في حالة استنفار دبلوماسي، تجسدت في حشد الدعم الإقليمي والدولي لمعارضة الخطوة، والضغط على تل أبيب للتراجع عنها، عبر تحركات مكثفة في المحافل الدولية والعواصم المؤثرة، والدفع نحو عقد اجتماعات وقمم طارئة تؤكد الالتزام بوحدة الأراضي الصومالية وسيادتها، وتعتبر الاعتراف الإسرائيلي انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي وللمواثيق والأعراف التي تكفل احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
ورغم أن هذا الحراك الدبلوماسي لم يمنع إسرائيل من المضي في تنفيذ قرارها، عبر إقامة علاقات تعاون مع إدارة صوماليلاند وتبادل الزيارات والبعثات الدبلوماسية، فإنه نجح، إلى حد كبير، في الحيلولة دون انتقال الاعتراف إلى دول أخرى كانت مرشحة للسير في الاتجاه نفسه.
وبعد مرور ثمانية أشهر على القرار، بقيت إسرائيل الدولة الوحيدة التي أقدمت على هذه الخطوة، وهو ما يعكس نجاحًا نسبيًا للدبلوماسية الصومالية في احتواء تداعيات الاعتراف ومنع تحوله إلى مسار دولي أوسع.
ولم يكن القرار الإسرائيلي خطوةً معزولة أو وليد اللحظة، بل بدا أنه جاء في سياق تفاهمات وتنسيق مع أطراف إقليمية ترتبط بعلاقات تعاون مع إدارة صوماليلاند، وسط حديث عن ترتيبات تقضي بأن تعمل تلك الأطراف على تشجيع دول حليفة لها على السير في النهج ذاته، قبل أن تقدم هي نفسها على الاعتراف.
غير أن التحرك الدبلوماسي المكثف الذي قادته مقديشو أسهم في إجهاض هذا المسار، ودفع عددًا من الدول إلى تجنب الإقدام على الاعتراف، خشية ما قد يترتب عليه من تداعيات قانونية وسياسية.
ولم تقتصر مواجهة مقديشو للقرار الإسرائيلي على المسار الدبلوماسي، بل امتدت إلى الداخل، عبر محاولة التأثير في الرأي العام داخل إدارة صوماليلاند، من خلال التركيز على التداعيات السياسية والأمنية المترتبة على العلاقة مع إسرائيل، وما قد تفرضه من كلفة سياسية على مشروع الانفصال.
وانعكس ذلك في مواقف عدد من الأحزاب والقوى المعارضة داخل الإدارة، التي اعترضت على توجه حكومة الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله “عِرو” نحو تعميق العلاقات مع إسرائيل، ولا سيما ما يتعلق بفتح سفارة في القدس.
وفي موازاة ذلك، عززت الحكومة الفيدرالية حضورها في ولاية شمال الشرق، إذ انتقل وجودها، للمرة الأولى، من الطابعين التنموي والسياسي، اللذين ميّزا نشاطها منذ إنشاء الولاية مطلع العام الجاري، إلى حضور ذي بعد عسكري، عبر افتتاح رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، في الثاني من أغسطس/آب، قيادة عسكرية جديدة تابعة للجيش الوطني الصومالي. وبدا هذا التطور بمثابة رسالة تؤكد مضي مقديشو في ممارسة الضغط الداخلي على إدارة صوماليلاند، بالتوازي مع تحركاتها الدبلوماسية الخارجية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو مواجهة مقديشو للقرار الإسرائيلي مرشحة للاستمرار، إذ ترتكز استراتيجيتها على منع ترسيخ الوجود الإسرائيلي داخل الإدارة عبر مسارين متوازيين؛ أولهما دبلوماسي، يهدف إلى حشد المواقف الإقليمية والدولية الرافضة للاعتراف، وثانيهما داخلي، يقوم على توظيف الرأي العام داخل الإدارة لإبراز أن المكاسب السياسية المرجوة من التقارب مع إسرائيل لا تضاهي حجم التداعيات السياسية والقانونية التي قد تلحق بمشروع الانفصال على المديين المتوسط والبعيد.
تباين المواقف الإقليمية والدولية
لم تكن الصومال وحيدة في رفضها الخطوة الإسرائيلية، بل حظيت بدعم عدد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، وإن تباينت دوافع هذا الدعم بين اعتبارات تتعلق بحماية المصالح الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وبين الالتزام بمبادئ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
وقد تجسد ذلك في سلسلة من المواقف السياسية والدبلوماسية، بدأت بإدانة الاعتراف الإسرائيلي، مرورًا بالعمل على الحيلولة دون أن تحذو دول أخرى حذوه، وانتهاءً بحشد موقف إقليمي ودولي رافض لهذه الخطوة.
وبرزت منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، إلى جانب عدد من الدول الأعضاء فيهما، بوصفها الأطراف الأكثر فاعلية في مساندة الصومال ومناهضة القرار الإسرائيلي.
غير أن هذه المواقف لا يمكن تفسيرها باعتبارها تعبيرًا عن دعم الصومال وحده، بل ارتبطت أيضًا بحسابات جيوسياسية تتصل بمصالح تلك الدول في الصومال، وبأمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، بوصفها ممرات بحرية استراتيجية تمثل أهمية بالغة للأمنين الإقليمي والدولي.

