«قد ينجح تقاسم السلطة في وقف الحروب، لكنه لا يستطيع بناء دول قوية إذا تحوّل إلى بديل دائم عن المؤسسات الخاضعة للمساءلة والمواطنة الجامعة».— علي حلني
غالبًا ما تُقدَّم ترتيبات تقاسم السلطة بوصفها صمام أمان ضد الصراع. فهي تعد بالشمول والتوازن ومنع عودة الاستبداد. في كلٍّ من العراق والصومال، اعتُمد هذا النموذج في ظروف استثنائية؛ في الأول عقب تغيير نظام قادته قوة خارجية، وفي الثاني بعد انهيار كامل للدولة. غير أن ما بدأ كآلية لتحقيق الاستقرار تحوّل في الحالتين إلى بنية سياسية تُكرّس الهشاشة بدل معالجتها.
في العراق، تأسس النظام السياسي بعد عام 2003 على صيغة تقاسم طائفي–إثني للسلطة لضمان تمثيل الشيعة والسنة والأكراد. وفي الصومال، جرى إرساء نموذج 4.5 القائم على المحاصصة العشائرية لتوزيع المقاعد البرلمانية والمناصب التنفيذية بين العشائر الكبرى والأقليات. كان يُفترض أن يكون النموذجان مرحليين يمهّدان لانتقال ديمقراطي أكثر استقرارًا. لكنهما تحوّلا إلى أطر راسخة تُعرّف المنافسة السياسية من خلال الهوية لا من خلال البرامج.
يكمن جوهر الإشكال في الحالتين في تحويل الهوية من واقع اجتماعي إلى قاعدة لتنظيم السلطة. ففي العراق، يجري توزيع المناصب العليا وفق تفاهم طائفي–إثني غير مكتوب لكنه مستقر. وفي الصومال، لا تزال صيغة 4.5 الأساس الرئيسي للتمثيل السياسي رغم الوعود المتكررة بإلغائها. ومع مرور الوقت، لم تتراجع آليات المحاصصة، بل ترسخت، وأصبحت تؤثر في سلوك الناخبين، وتشكيل التحالفات، وآليات الحكم.
هذه البنية تُنتج حكومات واسعة التمثيل لكنها ضعيفة التماسك. ففي العراق، تتشكل الحكومات بعد مفاوضات مطوّلة تعكس صفقات بين النخب أكثر مما تعكس تفويضًا انتخابيًا واضحًا. وفي الصومال، تعتمد الحكومات الفيدرالية على توازنات دقيقة مع رؤساء الولايات وزعماء العشائر، بحيث يمكن لأي خلاف حول الانتخابات أو الصلاحيات أو الموارد أن يتحول إلى أزمة سياسية. الدولة في البلدين لا تنهار، لكنها تعمل بكفاءة محدودة وبثقة شعبية متراجعة.
الفيدرالية زادت المشهد تعقيدًا. ففي العراق، تتجدد الخلافات بين بغداد وأربيل حول عائدات النفط وتوزيع الصلاحيات. وفي الصومال، تتكرر التوترات بين الحكومة الفيدرالية والولايات حول الأمن والانتخابات والموارد. كان الهدف من الفيدرالية توزيع السلطة ومنع تركزها، لكنها أصبحت في كثير من الأحيان ساحة إضافية للصراع السياسي.
كما أن السلطة التنفيذية تميل إلى التمركز في يد شخص واحد. في العراق، تحظى رئاسة الوزراء بصلاحيات واسعة تجعلها محور التنافس السياسي. وفي الصومال، تتركز السلطة التنفيذية والأمنية في مؤسسة الرئاسة، ما يزيد من حدة الصراع على المنصب. وعندما تتمحور أنظمة تقاسم السلطة حول مناصب تنفيذية قوية، يشتد التنافس ويضعف منطق التوافق المؤسسي.
إلى جانب التصميم المؤسسي، برز اقتصاد سياسي قائم على الزبائنية في البلدين. تُدار الوزارات أحيانًا وفق منطق الحصة لا الكفاءة، وتُمنح المناصب على أساس الولاء، وتتضخم البيروقراطية دون تعزيز القدرات. ومع الوقت، تتشكل شبكات مصالح مترابطة تجعل من الصعب المساس بالبنية القائمة. فالإصلاح لا يعني فقط تعديل القوانين، بل تفكيك منظومة امتيازات يستفيد منها الفاعلون الرئيسيون.

