في الحادي والعشرين من مارس من كل عام، يتوقف العالم للاحتفاء بالشعر—ليس بوصفه ترفًا لغويًا، بل ضرورةً للذاكرة. وقد اعتمدت اليونسكو هذا اليوم العالمي للشعر دعوةً لإعادة الإصغاء إلى الإيقاعات التي شكّلت تاريخنا، وحملت نضالاتنا، وحفظت هوياتنا قبل أن تترسخ الكلمة المكتوبة. ولا يتجلى ذلك في مكان كما يتجلى في شرق إفريقيا، حيث لم يُحصر الشعر يومًا في الورق، بل يعيش في الأصوات، وينتقل عبر الأجيال، ويقف شاهدًا ومرشدًا في آن واحد.
في هذه المنطقة، نادرًا ما يكون الشاعر شخصيةً منعزلة؛ بل هو مؤرخ ووسيط وناقد، وأحيانًا ثائر. من سهول الصومال المفتوحة إلى مرتفعات إثيوبيا، ومن الساحل الكيني إلى ملتقى اللغات في جيبوتي، وصولًا إلى تضاريس إريتريا الصامدة، شكّل الشعر ليس الثقافة فحسب، بل خيال الأمة ذاته.
الصومال: أمة الشعراء
الحديث عن الصومال هو حديث عن الشعر. فعلى مدى قرون، شكّل الشعر الوسيلة الأساسية التي عبّر من خلالها الصوماليون عن تاريخهم، وأداروا صراعاتهم، وحددوا قيمهم. لم يكن الشعر فنًا فحسب، بل عملة اجتماعية.
يبرز في هذا السياق محمد عبد الله حسن، الذي ارتبط صوته الشعري بمشروعه السياسي. ففي مطلع القرن العشرين، ومع تمدد القوى الاستعمارية، تحولت قصائده إلى أدوات مقاومة، تنتقل أسرع من الجيوش، وتوحد المجتمعات حول قناعة مشتركة. لم يصف الشعر النضال فحسب، بل نظّمه.
وإلى جانبه، يمثل عبد الله راغي تراويل طبقة أحدث من التراث الشعري الصومالي، حيث تعكس أعماله بنية المجتمع القَبَلي، وقيم الشرف ونقد السلطة. كان الشعر آنذاك ساحةً للتنوير بقدر ما هو وسيلة للتعبير، قادرًا على حل النزاعات أو إشعالها.
وفي العصر الحديث، حمل محمد إبراهيم ورسمي (هدراوي) هذا الإرث إلى أفق فكري أوسع، متناولًا قضايا الهوية والعدالة والمنفى والوحدة. شكّل صوته جسرًا بين التقليد والحداثة، مذكّرًا أمةً مجزأة بروحها الثقافية المشتركة.
في الصومال، لا يزال الشعر قوة حية—يُتداول في المجالس، وينتشر عبر الإعلام، ويتغلغل في الحياة اليومية، بوصفه أرشيفًا وبوصلة في آن واحد.
إثيوبيا: شعر الذاكرة والهيبة
يمتد التراث الشعري في إثيوبيا عبر آلاف السنين، متجذرًا في النصوص الدينية القديمة ومتطورًا عبر موجات التجديد الثقافي. هنا، ارتبط الشعر بالروحانية والمعرفة والسياسة.
يُعد تسيغايه غيبري-ميدهين من أبرز الأصوات الحديثة، حيث يجمع شعره بين التاريخ والإنسانية، ويعكس نضالات الكرامة والحرية في إثيوبيا وإفريقيا عمومًا.
وسبقَه كيبيدي ميكائيل، الذي أسهم في تشكيل الأدب الأمهرى الحديث، داعيًا إلى التعليم والمسؤولية الأخلاقية في زمن التحولات.
أما أفورك تيكلي، فرغم شهرته كرسام، فقد جسّد الروح الشعرية بصريًا، مستحضرًا التاريخ والهوية الوطنية في أعماله.
في إثيوبيا، لم يكن الشعر زينة جمالية، بل مستودعًا للذاكرة وعلامة على الحضارة.
كينيا: الشعر كصوت للمقاومة
تعكس رحلة الشعر في كينيا تاريخها المضطرب والتحولي، من الاستعمار إلى الاستقلال وما بعده.
تقف ميثيري غيثاي موغو عند تقاطع الفن والنضال، حيث تناولت قضايا التحرر والهوية والجندر، محولة الشعر إلى أداة مقاومة.
ويمثل جاريد أنغيرا بُعدًا آخر، إذ عبّر عن تعقيدات الهوية بعد الاستقلال، بين التقاليد والحداثة.
أما شايلجا باتيل، فقد نقلت الشعر الكيني إلى العالمية عبر الأداء والسرد، مستحضرةً التاريخ وربطه بالحاضر.
اليوم، يزدهر الشعر في كينيا عبر منصات “الشعر المنطوق”، حيث تعيد الأجيال الجديدة تعريف هذا الفن.

