«المعارضة التي تُبنى على الرفض وحده، ستجد نفسها عاجلاً أم آجلاً مطالبة بتفسير ما الذي يمكن أن توافق عليه». --د.أحمد عبد الرحمن عمر
لأكثر من عشرين عاماً، أتقنت المعارضة الصومالية فناً سياسياً واحداً أكثر من أي شيء آخر: تعطيل الحكومات. فقد تشكلت التحالفات لإيقاف التعديلات الدستورية، أو عرقلة التسويات السياسية، أو منع الحكومات القائمة من تعزيز نفوذها. وما إن يتحقق هذا الهدف حتى تتفكك تلك التحالفات، قبل أن تعود للظهور مع كل أزمة سياسية جديدة.
كان هذا النهج ناجحاً إلى حد بعيد، لكنه لم يكن يتطلب تقديم برنامج سياسي متكامل أو إقناع المواطنين عبر صناديق الاقتراع. فالسلطة في الصومال، منذ مطلع الألفية، ظلت تنتقل داخل دائرة سياسية ضيقة، تتقاسمها النخب السياسية وزعماء العشائر وقادة الولايات، بينما بقي المواطن العادي بعيداً عن عملية صناعة القرار.
وفي كل دورة سياسية تقريباً، كانت الحكومات تتعهد باستكمال الدستور وإجراء انتخابات مباشرة، ثم تنتهي ولايتها من دون الوفاء بذلك. ومع كل إخفاق، تتشكل معارضة جديدة، وتبدأ أزمة جديدة، قبل أن تعود السلطة إلى أحد أطراف المنظومة السياسية نفسها. وهكذا تحولت السياسة الصومالية إلى حلقة مغلقة، لا يتغير فيها سوى من يدير النظام، بينما يبقى النظام ذاته على حاله.
وبمرور الوقت، لم يعد الجدل السياسي يدور حول رؤى مختلفة لبناء الدولة، بل حول من يسيطر على آليات السلطة القائمة. وأصبح الخلاف بين النخب يدور حول إدارة النظام أكثر من تغييره، وهو ما أضعف ثقة المواطنين في الوعود السياسية، وجعل كثيرين ينظرون إلى شعار «صوت واحد لكل مواطن» باعتباره وعداً يتكرر في كل موسم سياسي، ثم يتوارى بمجرد انتهاء الأزمة.
وتبرز قضية الانتخابات المباشرة مثالاً واضحاً على هذا التناقض. فمنذ عام 2012، تبنت شخصيات سياسية بارزة هذا المطلب عندما كانت في السلطة، واعتبرت الانتخابات غير المباشرة نظاماً يكرس المحاصصة ويصادر حق المواطنين في اختيار ممثليهم. لكن كثيراً من هذه الشخصيات نفسها غيّر موقفه بعد انتقاله إلى المعارضة، ليصبح الحديث عن صعوبة الظروف الأمنية، أو غياب التوافق السياسي، أو عدم جاهزية الدولة، مبرراً لتأجيل الانتخابات المباشرة.
المفارقة هنا لا تكمن في تغير المبادئ بقدر ما تكمن في تغير المواقع. فالنظام السياسي الصومالي، طوال سنوات، كافأ من ينجح في التعطيل أكثر مما كافأ من ينجح في الإصلاح، حتى أصبحت المعارضة أكثر براعة في إيقاف المشاريع السياسية من تقديم بدائل عملية لها.
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير عندما شرعت حكومة الرئيس حسن شيخ محمود، منذ عام 2023، في تنفيذ انتخابات مباشرة متعددة الأحزاب في بعض المناطق، وهي خطوة ظلت الحكومات المتعاقبة تعد بها منذ سنوات طويلة من دون أن تنجح في تحقيقها.
وللمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، وقف مواطنون صوماليون أمام صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم بصورة مباشرة، لتتحول فكرة كانت حبيسة النصوص الدستورية إلى تجربة عاشها الناس على أرض الواقع.
لا يعني ذلك أن التجربة الانتخابية التي أطلقتها الحكومة خالية من الإشكاليات. فمنتقدوها يلفتون، بحق، إلى أن السلطة التي تدفع باتجاه الانتخابات المباشرة هي نفسها التي أقرت تعديلات دستورية مثيرة للجدل، ومددت ولاية بعض المؤسسات، واستخدمت أدوات الدولة بصورة اعتبرها خصومها منحازة في إدارة الصراع السياسي. وفي السياق الصومالي، لم تكن الإصلاحات الديمقراطية يوماً منفصلة تماماً عن حسابات البقاء في السلطة.
لكن، إلى جانب هذه الانتقادات، برز واقع جديد لا يمكن تجاهله: المواطنون بدأوا يصوتون.
قد لا تكون نسب المشاركة مرتفعة، وقد لا تكون العملية الانتخابية مكتملة من حيث المعايير، إلا أن أهميتها لا تكمن في الأرقام، بل في كسر حالة الجمود التي استمرت سنوات طويلة. فبالنسبة لكثير من الصوماليين، لم تعد الانتخابات المباشرة مجرد وعد يتكرر في الخطب السياسية أو نصاً مؤجلاً في الدستور، بل أصبحت تجربة ملموسة عاشها المواطن بنفسه.
مشاهد كبار السن وهم يضعون أوراق الاقتراع في الصناديق، والشباب الذين أظهروا أصابعهم الملطخة بالحبر، وطوابير الناخبين أمام مراكز التصويت، حملت دلالة سياسية تتجاوز نتائج الانتخابات نفسها. فقد منحت الناس إحساساً بأن المشاركة السياسية يمكن أن تصبح حقاً يمارسونه، لا امتيازاً تحتكره النخب.
وهنا تحديداً تواجه المعارضة الصومالية معضلتها الحقيقية.
فهي مطالبة بإقناع الرأي العام بأن الحكومة تشكل خطراً على النظام الدستوري، وفي الوقت نفسه مطالبة بتفسير سبب رفضها لمسار انتخابي ظل أحد أبرز مطالبها طوال سنوات. وهذه ليست مهمة سهلة، لأن الناخب العادي لا ينظر إلى النقاش من زاوية النصوص القانونية وحدها، بل من زاوية التجربة التي عاشها بنفسه.
وقد ظهر ذلك بوضوح عندما دعت قوى المعارضة إلى احتجاجات شعبية رفضاً للمسار السياسي الحالي، إذ جاءت الاستجابة محدودة على نحو لافت. ولم يكن ضعف المشاركة مجرد حدث عابر، بل مؤشراً على تغير المزاج السياسي في البلاد.
في السابق، كانت الدعوة إلى التظاهر تمثل إحدى أكثر أدوات المعارضة تأثيراً، خصوصاً عندما تنهار المفاوضات السياسية. وقد أثبت هذا الأسلوب فعاليته خلال أزمة عام 2021، عندما أدى الجدل حول تمديد ولاية الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو إلى مواجهة سياسية وأمنية كادت تدفع البلاد إلى صراع مفتوح.
غير أن استدعاء تلك التجربة لم يكن كافياً لإعادة إنتاجها. ففي عام 2021 كان قطاع واسع من المواطنين يعتقد أن الاحتجاجات تدافع عن حقهم في انتخابات لم تكن الحكومة تبدو مستعدة لتنظيمها. أما اليوم، فإن الخطاب السياسي يبدو مختلفاً؛ إذ يُطلب من المواطنين الدفاع عن نظام انتخابي غير مباشر، قائم على التفاوض بين النخب والمحاصصة العشائرية، في مواجهة حكومة تقول إنها تسعى إلى توسيع نطاق التصويت المباشر.
ولهذا بدت الرسالتان مختلفتين تماماً في نظر الرأي العام. فحتى من يتحفظون على أداء الحكومة، أو يعارضون بعض سياساتها، يجدون صعوبة في رفض مبدأ يمنح المواطنين دوراً أكبر في اختيار ممثليهم. وهذا ما يفسر، إلى حد كبير، لماذا لم تحقق دعوات التعبئة الشعبية الزخم الذي توقعته المعارضة.
ومع ذلك، فإن تراجع فاعلية خطاب المعارضة لا يعني أن مخاوفها بلا أساس. فالصومال لا يزال يواجه تحديات أمنية معقدة، وما زالت حركة الشباب تسيطر على مناطق واسعة، الأمر الذي يجعل تنظيم انتخابات وطنية شاملة وفق معايير متكافئة مهمة شديدة الصعوبة.
كما أن التفاوت في الأوضاع الأمنية والسياسية بين الولايات يثير تساؤلات حقيقية حول عدالة أي عملية انتخابية. فالولايات التي تتمتع بعلاقات أكثر استقراراً مع الحكومة الفيدرالية، أو ببيئة أمنية أفضل، قد تمتلك فرصاً أكبر لتنظيم الانتخابات مقارنة بولايات مثل بونتلاند وجوبالاند، حيث لا تزال العلاقة مع مقديشو محكومة بخلافات سياسية عميقة. وفي مثل هذه الظروف، قد تنقل الانتخابات أزمة الشرعية من مرحلة إلى أخرى بدلاً من أن تنهيها.

