«أحياناً لا تُقاس القيادة بالأزمات التي تقع، بل بالمواجهات التي جرى تجنبها بحكمة، بفضل الصبر وضبط النفس.»- أحمد نور أوليح
لا تُقاس القيادة دائماً بالانتصارات الكبيرة أو المشاهد الدرامية، بل قد تُقاس أحياناً بالأزمات التي لم تقع، لأن قائداً ما اختار ضبط النفس بدلاً من المواجهة.
وأدرك أن بعض القراء قد يرفضون هذه الرؤية بحجة أنني أعمل في مكتب دولة رئيس الوزراء، حمزة عبدي بري، وقد يتساءل آخرون: كيف يمكن الحديث عن الإنجازات بينما واجه رئيس الوزراء تحديات سياسية حتى داخل دائرته السياسية، في ولايات مثل جوبالاند وبونتلاند؟
إنها تساؤلات مشروعة، لكنها تستحق أيضاً منهجاً أكثر إنصافاً عند تقييم القيادة في الصومال.
فالصومال ليس بلداً يسهل حكمه، ورئيس الوزراء يعمل في بيئة تتسم بانعدام الأمن، وهشاشة المؤسسات، والتوترات بين الحكومة الفيدرالية والولايات، وتعقيدات السياسة القبلية، والتنافسات الإقليمية، والمسائل الدستورية التي لا تزال دون حسم.
وفي ظل هذه الظروف، لا تقتصر السياسة على تحقيق مكاسب سريعة، بل تتمثل أيضاً في إدارة التحديات المعقدة بالصبر، والرؤية، وتحمل المسؤولية.
تعرّضت فترة ولاية رئيس الوزراء حمزة عبدي بري للتقييم غالباً من خلال الأزمات السياسية العديدة التي شهدها الصومال، إلا أن أهم إسهاماته ربما كان أقل ظهوراً للعيان؛ فقد اختار ضبط النفس بدلاً من المواجهة، والاستقرار بدلاً من الطموح الشخصي، والمصلحة الوطنية بدلاً من المكاسب السياسية الضيقة.
ونحن ممن عملوا معه عن قرب نستطيع أن نشهد بأن أسلوب قيادته لم يقم على صناعة الأزمات السياسية أو الدخول في مواجهات علنية، بل اتسم بالصبر وضبط النفس والالتزام باستمرارية عمل مؤسسات الدولة.
وفي اللحظات التي كان كثير من القادة قد يلجأون فيها إلى تصعيد الخلافات، كان حمزة يفضّل الحوار. وحتى عندما واجه انتقادات، أو تدخلات، أو مقاومة من بعض الولايات، أو استفزازات سياسية، تجنب تحويل الخلافات إلى معارك شخصية.
قد يرى المنتقدون في ذلك ضعفاً، أما أنا فأراه انضباطاً سياسياً.
ففي البيئة السياسية الهشة التي يعيشها الصومال، قد يمنح التصعيد شعوراً مؤقتاً بالرضا، لكنه في المقابل يفاقم الانقسامات ويشل مؤسسات الدولة. ومن خلال رفضه إضفاء الطابع الشخصي على الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والولايات، ساهم رئيس الوزراء حمزة في منع تحول تلك الخلافات السياسية إلى أزمات وطنية أكبر.
وربما لا يدرك كثير من أفراد النخبة السياسية في الصومال أن منصب رئيس الوزراء يعد من أكثر المناصب عرضة للضغوط والاستهداف في الحياة السياسية الصومالية. فقد واجه حمزة عبدي بري ضغوطاً من جهات عديدة، ومع ذلك اختار الصبر وضبط النفس بدلاً من الرد على كل هجوم يتعرض له.
بل وحتى عندما مُنع من الوصول إلى مناطق ترتبط بدائرته السياسية نفسها، تجنب التصعيد. وقد ساعد هذا النهج في تجنب حالة من الجمود السياسي، على الأقل على مستوى الحكومة الفيدرالية، وأتاح استمرار عمل مؤسسات الدولة.
وعلى خلاف كثير من السياسيين في الصومال، فإن أحد أبرز جوانب تجربة حمزة تمثل في رفضه إدارة البلاد باعتباره ممثلاً لإقليم أو عشيرة أو دائرة انتخابية بعينها.
فالسياسة الصومالية كثيراً ما تحكمها الاعتبارات القبلية والولاءات الإقليمية، وكان من السهل عليه، في مثل هذه البيئة، أن يرد على خصومه المنتمين إلى منطقته أو مجتمعه السياسي، لكنه لم يفعل، بل اختار أن يتصرف بوصفه قائداً وطنياً للصومال، لا سياسياً يمثل إقليماً أو عشيرة بعينها.
وتستحق نزاهة حمزة الشخصية الإشادة والتقدير. فجميعنا يعلم أن الصومال لا يزال يواجه تحديات كبيرة في مجالي الحوكمة والفساد، ولم تكن أي حكومة بمنأى عن مثل هذه الانتقادات. ومع ذلك، يُعد حمزة واحداً من رؤساء الوزراء الذين تمكنوا إلى حد كبير من تجنب التورط الشخصي في قضايا الفساد. فعلى الرغم من حملات التشويه والفخاخ السياسية التي تعرض لها، لم يرتبط اسمه باتهامات فساد خطيرة.
وأعتقد أنكم ستتفقون معي على أن الحفاظ على سمعة تتسم بالتواضع والانضباط والمصداقية الشخصية يُعد، في البيئة السياسية الصومالية، إنجازاً مهماً بحد ذاته.

