«لا يمكن لدولة أن تحتفي بالإعفاء الجمركي في الأسواق الخارجية، بينما يبقى منتجوها محاصرين بضعف البنية التحتية، وارتفاع التكاليف، والعوائق التي تعرقل التصدير.»
— عبدالله صلاد
اتخذت الصين خطوة بالغة الأهمية عندما فتحت أسواقها أمام الصادرات الصومالية، ومنحتها إعفاءً كاملاً من الرسوم الجمركية، في إطار سياسة شملت عدداً من الدول الإفريقية. وهذه ليست فرصة عابرة، بل نافذة اقتصادية قد تفتح أمام الصومال آفاقاً واسعة لتعزيز الإنتاج وزيادة الصادرات، بالنظر إلى أن الصين تضم أكثر من مليار مستهلك، وتعد من أكبر مستوردي الأغذية والسمسم والأسماك والفواكه والماشية والمواد الخام في العالم.
غير أن هذه الفرصة، على أهميتها، كشفت في الوقت نفسه عن أكبر أزمة يعانيها الاقتصاد الصومالي، وهي أن العقبة الحقيقية لم تعد الأسواق الخارجية، بل البيئة الداخلية التي تعيق المنتج الصومالي قبل أن يغادر بلاده.
فالصومال يمتلك مقومات إنتاجية كبيرة لا يمكن إنكارها. فالموز، والسمسم، والأسماك، والثروة الحيوانية، إلى جانب العديد من المنتجات الزراعية الأخرى، تمتلك جميعها القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية. ولذلك فإن المشكلة ليست في ضعف الموارد أو محدودية الإنتاج، وإنما في أن المنتج الصومالي يفقد ميزته التنافسية قبل أن يصل إلى الموانئ، فضلاً عن وصوله إلى الأسواق الدولية.
وتبدأ رحلة المعاناة منذ لحظة خروج المنتج من المزرعة، حيث يضطر إلى عبور طرق متهالكة ترفع تكاليف النقل، ثم يمر عبر عشرات نقاط التفتيش، ويدفع رسوماً متعددة وضرائب مختلفة، قبل أن يصطدم بإجراءات تصدير معقدة وبيروقراطية تجعل ممارسة التجارة أكثر صعوبة وكلفة مما ينبغي.
ولهذا، فإن الاحتفاء الحكومي بالإعفاء الجمركي الصيني يظل ناقصاً ما لم تُعالج هذه العقبات الداخلية. فما قيمة أن تفتح الصين أبوابها أمام الصادرات الصومالية إذا كانت كل بوابة داخل الصومال لا تُفتح إلا بعد دفع رسوم جديدة؟ وما جدوى سياسة «صفر رسوم جمركية» التي أعلنتها بكين إذا كانت تكلفة نقل صندوق من الموز من أفغوي أو جنالي إلى ميناء مقديشو أعلى من تكلفة شحنه من أمريكا اللاتينية إلى الصين؟
إن المشكلة ليست في الخارج، وإنما في الطريق الذي صنعناه نحن بأنفسنا أمام المنتج الوطني.
تحكم التجارة العالمية اليوم معايير واضحة لا مكان فيها للعواطف أو المجاملات. فالمستوردون في الصين أو دول الخليج لا يشترون المنتجات الصومالية بدافع التضامن مع الصومال، وإنما يشترون المنتج الذي يجمع بين الجودة، والسعر المناسب، والقدرة على الالتزام بمواعيد التسليم، والتغليف الجيد، والشهادات المعترف بها دولياً، والقدرة على المنافسة. وإذا كان المنتج الصومالي يخسر الوقت والمال والجودة قبل أن يصل إلى السوق، فمن الطبيعي أن يتجه المشترون إلى بدائل أخرى أكثر كفاءة. فالفرص التجارية لا تنتظر المتأخرين.
ويقدم قطاع السمسم مثالاً واضحاً على الإمكانات المتاحة. فما يزال السمسم من السلع القليلة التي يحتفظ فيها الصومال بحضور ملموس في الأسواق العالمية. وتشير بيانات حلول التجارة العالمية المتكاملة (WITS) إلى أن الصومال صدّر خلال عام 2023 نحو 6300 طن متري من السمسم، تجاوزت قيمتها 11 مليون دولار، رغم التحديات الكبيرة التي تواجه المنتجين والمصدرين داخل البلاد.
أما السوق الصينية، فتفتح آفاقاً أكبر بكثير. ففي عام 2024 استوردت الصين سلعاً تتجاوز قيمتها 2.5 تريليون دولار، فيما بلغت وارداتها من السمسم وحده نحو 1.9 مليار دولار، بما يزيد على 1.18 مليون طن متري. وتشير بيانات معرض الصين الدولي للاستيراد (CIIE) ووكالة شينخوا إلى أن الدول الإفريقية وفرت ما يقارب 75 في المائة من واردات الصين من السمسم خلال ذلك العام.
كل هذه الأرقام تؤكد أن الفرصة ليست نظرية، بل حقيقية وقائمة بالفعل. غير أن الحكومة الصومالية أخطأت في ترتيب أولوياتها. فقبل الاحتفال بالقرار الصيني، كان الأجدر بها أن تعلن استراتيجية وطنية شاملة للنهوض بالصادرات، تبدأ بإنشاء شبكة طرق تربط مناطق الإنتاج بالموانئ، مروراً بإصلاح النظام الضريبي وتخفيف الرسوم التي تثقل كاهل المنتجين، وإنشاء نافذة موحدة تُبسّط إجراءات التصدير، وصولاً إلى تبني سياسات تشجع المصدرين بدلاً من إرهاقهم بالمزيد من الأعباء.

