"تولد بعض الأفكار وهي تحمل وعداً بتغيير التاريخ، لكنها تنتهي إلى اكتشاف حدود قدرتها على تغيير الإنسان. وبين الحلم الثوري وواقع السلطة، تتكشف أحياناً مفارقات أكبر من الشعارات نفسها"
اعتقد الجنرال محمد سياد بري الذي حكم الصومال من 1969-1991 أن الثورة قادرة على إعادة صياغة المجتمع من جديد، وأن الاشتراكية العلمية تستطيع اقتلاع إرث القبيلة والعشيرة والتقاليد القديمة من جذورها. كنا نسمع تلك الشعارات في المدارس والاحتفالات العامة والإذاعات الرسمية حتى بدا أحياناً أن المجتمع القديم يعيش أيامه الأخيرة فعلاً. لذلك لم يكن المشروع مجرد برنامج للحكم أو خطة لإدارة الدولة، بل محاولة شاملة لإنتاج إنسان جديد ومجتمع جديد ولغة جديدة للمستقبل.
في البداية بدا كل شيء ممكناً. كانت الدولة حاضرة في كل الميادين، وكانت الشعارات الماركسية تملأ الفضاء العام. قيل للناس إن زمن الانقسامات التقليدية يقترب من نهايته، وإن الولاءات القديمة ستذوب تدريجياً أمام ولاء أكبر للدولة والثورة والوطن. نشأ جيل كامل وهو يسمع أن القبيلة مشكلة من الماضي، وأن المستقبل سيولد من رحم الاشتراكية العلمية. وكان كثيرون يصدقون أن التاريخ يمكن توجيهه، وأن المجتمع يمكن إعادة تشكيله بقرارات تصدر من المجلس الأعلى للثورة.
لم يكن المشروع يفتقر إلى الطموح. فقد سعت الدولة إلى التدخل في التعليم والثقافة والإعلام والتنمية، وأطلقت حملات واسعة لمحو الأمية ونشر اللغة الصومالية المكتوبة. وبالنسبة لكثيرين بدت تلك الإجراءات دليلاً على أن البلاد تدخل عصراً جديداً مختلفاً عما عرفته من قبل. كان الإيمان بالتغيير كبيراً إلى درجة جعلت البعض يعتقد أن القبيلة نفسها ستصبح بعد سنوات مجرد ذكرى تاريخية يتحدث عنها الناس كما يتحدثون عن عصور مضت وانتهت.
لكن الأفكار الكبيرة تحتاج دائماً إلى حراس، وهنا بدأ الحلم يتغير شيئاً فشيئاً. لم يعد المطلوب أن يطيع الناس السلطة فحسب، بل أن يفكروا بالطريقة التي تريدها السلطة أيضاً. وعندما تصبح الدولة مسؤولة عن تشكيل العقول بقدر مسؤوليتها عن إدارة المؤسسات، فإن الحدود بين التربية والسيطرة تبدأ بالتلاشي.
عند هذه النقطة يطل ميشيل فوكو من بعيد. فكلما اتسعت الوعود بالتحرير، اتسعت معها أدوات المراقبة. وكلما ارتفعت الشعارات التي تتحدث عن الإنسان الجديد، ازداد الاهتمام بمراقبة الإنسان القديم الكامن داخل كل فرد. تحول جهاز أمن الدولة إلى عين دائمة الحضور تراقب المجتمع أكثر مما تراقب أعداءه، وتتابع الأفكار بقدر ما تتابع الأفعال. وكان من السهل على أي شخص عاش تلك المرحلة أن يشعر بأن الدولة لم تعد تكتفي بإدارة الحياة العامة، بل تريد أن تكون حاضرة في تفاصيلها الصغيرة أيضاً.
ومع مرور السنوات بدأت التناقضات تظهر بوضوح أكبر. فالمجتمع الذي أُريد له أن يتحرر من البنى التقليدية لم يجد دائماً بديلاً مستقراً يحل محلها. والمؤسسات الحديثة التي كان يفترض أن تصبح أساس الولاء الجديد لم تنجح بالقدر الكافي في إزاحة الولاءات القديمة من النفوس. كان الخطاب الرسمي يتحدث عن مجتمع اشتراكي متجانس، لكن الواقع كان أكثر تعقيداً من أن يُختزل في الشعارات.




