«الهدف ليس أن يصبح الصومال عضوًا في كل ترتيبات الأمن الإقليمي، بل دولة لا يمكن تجاهل دورها عندما تُناقش ترتيبات أمن البحر الأحمر وخليج عدن». عبد الرحمن معلم عبد الله
في 7 أغسطس/آب 2026، وقّعت المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية اتفاق مكة للدفاع المشترك في مدينة مكة المكرمة.
وينص الاتفاق، وفق البيانات الرسمية، على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، إلى جانب تعزيز التعاون الدفاعي والأمني والردع الجماعي. كما أكدت الدول الموقعة أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية ولا يستهدف دولة بعينها.
لكن أهمية الاتفاق بالنسبة إلى الصومال لا تكمن في السؤال عما إذا كان ينبغي لمقديشو الانضمام إليه، بل في فهم التحول الأوسع الذي يعكسه في البيئة الأمنية الإقليمية. فالصومال يقع على الساحل الغربي لخليج عدن، ويمتلك موقعًا قريبًا من باب المندب والبحر الأحمر، ما يجعله جزءًا مهمًا من الحسابات الأمنية والتجارية في المنطقة.
ولذلك، يمكن أن يمثل هذا التطور تحديًا إذا بقي الصومال متلقيًا للأمن، لكنه قد يتحول إلى فرصة إذا استخدمه لبناء قدراته وتحويل موقعه الجغرافي إلى قوة وشراكات تخدم المصلحة الوطنية.
اتفاق مكة ودلالاته الاستراتيجية
من المهم ألا نحمّل الاتفاق أكثر مما ينص عليه. فوصفه بأنه «ناتو إسلامي» ليس توصيفًا رسميًا دقيقًا؛ فالبيانات الرسمية تقدمه باعتباره اتفاقًا دفاعيًا يهدف إلى تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي، دون تسمية دولة محددة كعدو.
ومع ذلك، يحمل الاتفاق دلالة استراتيجية واضحة. فالسعودية وتركيا وباكستان تجمعها قدرات مختلفة يمكن أن تتكامل في مجالات الدفاع والتدريب والتكنولوجيا والخبرة العسكرية. تمتلك السعودية وزنًا اقتصاديًا ونفوذًا سياسيًا وإقليميًا كبيرًا، بينما تمتلك تركيا قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متطورة، وتملك باكستان خبرة عسكرية واستراتيجية واسعة.
لذلك، يعكس الاتفاق رغبة في توسيع الخيارات الأمنية وبناء قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات الإقليمية.
وهذه النقطة مهمة بالنسبة إلى الصومال، لأنها تشير إلى أن قيمة الشراكات والقدرات البحرية والأمنية أصبحت أكبر.
لماذا يهم الاتفاق الصومال؟
الصومال لا يقع على هامش هذه المعادلة، بل في موقع جغرافي حساس. فخليج عدن يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية. وأي اضطراب في الملاحة يمكن أن يؤثر في حركة التجارة وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد.
ويمتلك الصومال ساحلًا طويلًا وموانئ وموقعًا استراتيجيًا في منطقة تتقاطع فيها مصالح أمنية واقتصادية متعددة. لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع قوة وطنية. فالساحل الطويل من دون خفر سواحل قادر، واستخبارات بحرية، وقدرات للمراقبة وحماية الموانئ، ومؤسسات فعالة، يظل ميزة جغرافية أكثر منه أداة للقوة.
وهنا تظهر الفرصة. فبدل أن ينظر الصومال إلى الترتيبات الأمنية الجديدة باعتبارها شأنًا يخص القوى الأخرى، يمكنه أن يقدم نفسه كشريك أمني قادر على الإسهام في أمن خليج عدن والمحيط الهندي، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة البحرية، بما يتوافق مع مصالحه وسيادته.
من الأهمية الجغرافية إلى القوة الاستراتيجية.
هذه هي النقطة التي تحتاج إلى تغيير في التفكير الصومالي. فالموقع الاستراتيجي كان لفترة طويلة سببًا في جذب اهتمام القوى الخارجية، لكن إذا كان الآخرون هم الذين يملكون القدرة على حماية هذا الموقع والاستفادة منه، فإن القيمة الاستراتيجية تبقى في أيديهم أكثر مما هي في يد الدولة نفسها.
أما إذا استطاع الصومال بناء قدراته، فإن المعادلة تتغير. فالدولة التي تستطيع مراقبة مياهها، وحماية موانئها، ومكافحة التهريب والقرصنة، وتأمين الملاحة، وتبادل المعلومات مع شركائها، تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها وأكثر أهمية بالنسبة إلى الآخرين.
وهنا يمكن أن ينتقل الصومال من «متلقٍ للأمن» إلى «شريك في الأمن». وهذا تحول في مكانة الدولة وقدرتها على التفاوض وصناعة القرار.
كيف يمكن للصومال الاستفادة؟
لا يحتاج الصومال إلى التعامل مع السعودية وتركيا وباكستان بالطريقة نفسها، بل يمكنه الاستفادة من القدرات المختلفة لكل دولة. فالسعودية تمتلك وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا وإقليميًا يمكن أن يدعم بناء القدرات والاستثمار في الأمن البحري. وتركيا تتمتع بخبرة واسعة في التدريب وبناء المؤسسات والتكنولوجيا الدفاعية، وهي شريك مهم للصومال في المجال الدفاعي. أما باكستان، فتقدم فرصًا في التعليم العسكري وتدريب الضباط والأمن البحري وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب.
لكن المطلوب ليس إنشاء علاقات متفرقة، وإنما بناء رؤية صومالية موحدة للشراكات. يجب أن يحدد الصومال احتياجاته الوطنية أولًا، ثم يحدد أي شريك يستطيع تقديمها، بدل أن تتحول العروض الخارجية إلى أجندة تحدد الأولويات الوطنية.
وهنا يجب أن يكون المبدأ واضحًا: التعاون الخارجي يجب أن يبني القدرة الصومالية، لا أن يحل محلها.
الأمن البحري: نقطة البداية
إذا كان هناك مجال واحد يمكن للصومال أن يبدأ منه، فهو الأمن البحري. والمطلوب ليس فقط شراء السفن، وإنما بناء منظومة تشمل خفر السواحل، والمراقبة البحرية، والاستخبارات، وحماية الموانئ، ومكافحة القرصنة والتهريب، وتطوير الكوادر وأنظمة الصيانة والاتصال.

