«أخطر انتصار للحرب ليس سقوط المدن وتدميرها، بل أن يصبح الإنسان نسخة منها»--علي حلني
ليست كل مقاومة تُقاس بعدد البنادق، ولا كل انتصار يُعلن في بيانات الجيوش. ففي المجتمعات التي عاشت الحروب لعقود، تصبح المقاومة فعلًا يوميًا هادئًا، يمارسه الناس دون أن يسموه كذلك. إنها مقاومة النسيان، ومقاومة الكراهية، ومقاومة الاستسلام، والأهم من ذلك كله مقاومة التحول إلى نسخة أخرى من الحرب نفسها. فالحروب لا تكتفي بمحاولة هزيمة خصومها، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الإنسان، بحيث يصبح الخوف أسلوبًا للحياة، والكراهية لغة للعلاقات، والانقسام قدرًا لا يمكن تجاوزه.
والصومال يعرف هذه الحقيقة أكثر من غيره. فقد وُلدت أجيال كاملة في ظل الصراع، وكبرت وهي تسمع أصوات الرصاص أكثر مما تسمع أجراس المدارس. ومع ذلك، فإن أكثر ما يستحق التأمل ليس أن الحرب استمرت كل هذه السنوات، بل أن الحياة استمرت أيضًا. فبعد أكثر من ثلاثة عقود من الانهيار، لا يزال الناس يتزوجون، ويبنون البيوت، ويؤسسون الشركات، ويرسلون أبناءهم إلى الجامعات، ويتمسكون بفكرة أن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس. وهذه ليست تفاصيل عابرة في حياة مجتمع أنهكته الحروب، بل هي في جوهرها أفعال مقاومة، لأنها تعلن كل يوم أن الإنسان قادر على حماية إنسانيته حتى عندما يعجز عن إيقاف الحرب نفسها.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بكيفية نجاة الصوماليين من الحرب، وإنما بكيفية انتصارهم على آثارها العميقة. فالحرب لا تنتهي عندما تتوقف المعارك، بل عندما تفشل في تحقيق هدفها الأكبر، وهو إعادة تشكيل الإنسان على صورتها. فهي تستهدف الذاكرة كما تستهدف الجغرافيا، وتحاول تدمير الثقة كما تدمر المباني، وتعمل على تحويل المجتمع إلى أفراد يخاف بعضهم بعضًا، ويعيشون أسرى للماضي، غير قادرين على تخيل مستقبل مختلف. وإذا كانت الحرب مشروعًا لإنتاج إنسان جديد، فإن المقاومة الحقيقية تبدأ عندما يرفض الإنسان أن يسمح لها بذلك.
ولعل ما يميز التجربة الصومالية أن المجتمع لم يقاوم الحرب بالسلاح وحده، وإنما قاومها بذاكرته أيضًا. فالإنسان الصومالي لا يحمل فقط ذكريات ما عاشه بنفسه، بل يحمل ذاكرة أوسع تشكلت من روايات الآباء والأجداد عن الحروب القديمة، وعن سنوات الدولة، وعن الجفاف، والهجرات، والانهيارات، وعن المجتمعات التي استطاعت أن تتجاوز أزمات بدت في وقتها وكأنها نهاية كل شيء. وهذه الذاكرة يمكن أن تكون عبئًا إذا تحولت إلى مستودع للكراهية، لكنها تصبح مصدر قوة عندما تدفع الإنسان إلى رفض تكرار المأساة بدلًا من إعادة إنتاجها.
ولهذا فإن القضية ليست في أن نتذكر، وإنما في الكيفية التي نتذكر بها. فهناك ذاكرة تجعل الإنسان أسيرًا للثأر، يعيش داخل قصص الماضي ويبحث عن خصوم جدد، وهناك ذاكرة تمنحه الحكمة، فتذكره بأن الشعوب التي لا تتعلم من مآسيها محكوم عليها بأن تعيشها مرة أخرى. والصومال اليوم لا يحتاج إلى ذاكرة تحفظ عدد الحروب التي خاضها، بقدر ما يحتاج إلى ذاكرة تحفظ الدروس التي خرج بها منها. فالمستقبل لا يُبنى بالحنين إلى الألم، وإنما بالقدرة على تحويله إلى وعي يمنع تكراره.
ومن بين كل المؤسسات التي حاولت الحرب إسقاطها، بقيت العائلة الصومالية الأكثر قدرة على المقاومة. فداخل البيوت استمرت الحكايات، وانتقلت اللغة، وحُفظت القيم، وتعلم الأبناء أن الانتماء لا يبدأ من السياسة، بل من البيت. وحين كانت مؤسسات الدولة تنهار، ظلت الأسرة تحمل عبء التربية، وتحافظ على ما بقي من النسيج الاجتماعي. ولهذا لم تكن العائلة مجرد رابطة اجتماعية، بل كانت المؤسسة التي منعت الحرب من الانتصار الكامل، لأنها حافظت على الإنسان نفسه عندما كانت كل الأشياء الأخرى تتفكك من حوله.
ومن هنا يصبح الحب، بمعناه الإنساني الواسع، أحد أكثر أشكال المقاومة عمقًا. فالحرب تريد إنسانًا لا يرى في الآخرين سوى خصوم محتملين، بينما يختار الإنسان المقاوم أن يحافظ على قدرته على الثقة، وعلى التعاون، وعلى الاعتراف بإنسانية الآخر. وليس المقصود هنا الحب بوصفه شعورًا عاطفيًا، وإنما بوصفه موقفًا أخلاقيًا يرفض أن يسمح للكراهية بأن تصبح القاعدة التي تحكم المجتمع. فالذي يحتفظ بقلبه مفتوحًا للحياة، رغم كل ما رآه من عنف، يكون قد ألحق بالحرب هزيمة لم تستطع البنادق أن تحققها.
والإنسان الصومالي المقاوم ليس شخصية استثنائية تظهر في لحظات البطولات الكبرى، بل هو المواطن العادي الذي يقرر، كل صباح، أن ينحاز إلى الحياة. إنه المعلم الذي يواصل تعليم الأطفال رغم ضعف الإمكانات، والطبيب الذي يبقى في المستشفى رغم المخاطر، والمزارع الذي يعود إلى أرضه بعد كل موجة نزوح، والتاجر الذي يعيد افتتاح متجره بعد أن دُمّر أكثر من مرة، والأم التي تزرع في أطفالها الأمل بدلًا من الانتقام، والصحفي الذي يتمسك بالحقيقة في زمن الشائعات. هؤلاء لا يكتب التاريخ أسماءهم غالبًا، لكنهم هم الذين يكتبون مستقبل الأوطان.
ومن هنا يبدأ الحديث الحقيقي عن بناء الدولة. فكثيرًا ما نختزل الدولة في الدستور، أو الانتخابات، أو المؤسسات، أو المباني الحكومية، مع أن كل ذلك لا يستطيع أن يصنع دولة إذا لم يوجد الإنسان القادر على حملها. فالدولة، في نهاية المطاف، ليست أكثر من انعكاس للقيم التي يؤمن بها مواطنوها. وإذا كان المواطن يعيش بمنطق الحرب، فلن تنجح أفضل القوانين في إنتاج السلام. أما إذا كان يؤمن بالقانون، ويحترم الاختلاف، ويثق بالآخر، ويرى في الوطن مساحة مشتركة لا غنيمة متنازعًا عليها، فإن الدولة تصبح نتيجة طبيعية لهذا الوعي، لا مجرد مشروع سياسي.

