«في أحيان كثيرة، لا تُقاس الخسارات بما يحدث داخل الملعب، بل بما يُحرم منه من وصلوا إليه بجدارة. هكذا تحولت قصة عمر عَرْتَنْ من إنجاز رياضي استثنائي إلى لحظة مريرة تركت أثراً يتجاوز حدود الصومال والقارة الإفريقية».
لطالما قدمت كرة القدم نفسها باعتبارها اللعبة العالمية. فهي رياضة تفخر بكسر الحواجز وخلق الفرص، وجمع الناس معاً بغض النظر عن الجنسية أو العرق أو الدين أو الخلفية.
ولهذا السبب، فإن خبر منع الحكم الصومالي عمر عبد عَرْتَنْ من دخول الولايات المتحدة، ومن ثم استبعاده من قائمة حكام كأس العالم التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، أثار خيبة أمل تجاوزت حدود الصومال بكثير.
فبالنسبة لكثير من مشجعي كرة القدم الأفارقة، لا يتعلق الأمر بمجرد غياب حكم عن بطولة كبرى، بل بما تمثله رحلته ومسيرته المهنية.
كان عَرْتَنْ على وشك أن يصبح أول مسؤول تحكيمي صومالي يدير مباريات في نهائيات كأس العالم. وكان اختياره ثمرة سنوات من التفاني والاحترافية والتميز. ففي عام 2025، حصل على جائزة أفضل حكم رجال في إفريقيا من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ليصبح أحد أكثر الحكام احتراماً على مستوى القارة.
ولذلك، فإن رؤية هذه الفرصة التاريخية تتبدد قبل أيام قليلة من انطلاق البطولة أمر يصعب على كثير من عشاق اللعبة تقبله.
لقد حمل صعود عمر عَرْتَنْ أهمية رمزية خاصة. فالصومال أمضى عقوداً طويلة في مواجهة الصراعات وعدم الاستقرار والصور النمطية السلبية على المستوى الدولي. ومع ذلك، ظهر مهني صومالي استطاع أن يفرض نفسه بجدارة، وأن يصل إلى أعلى مستويات كرة القدم العالمية بفضل كفاءته.
وبالنسبة للشباب الصومالي، كان يمثل نموذجاً للأمل والإمكانية. وبالنسبة للحكام الأفارقة، كان يمثل التقدم. أما بالنسبة لكرة القدم نفسها، فقد كان يجسد الفكرة القائلة إن الموهبة والعمل الجاد قادران على تجاوز العقبات.
ولهذا السبب، من المرجح أن يكون رد الفعل في مختلف أنحاء إفريقيا عاطفياً وقوياً. فكثير من المشجعين سيرون أن رجلاً استحق مكانه بفضل أدائه وكفاءته حُرم من فرصة إظهار قدراته على أكبر مسرح كروي في العالم.
وسواء اتفق المرء أو اختلف مع سياسات الهجرة، فإن مشجعي كرة القدم يميلون إلى النظر إلى الإنجازات الرياضية بمنظار مختلف. فهم يرون حكماً اجتاز اختبارات الفيفا، وأدار مباريات قارية كبرى، واختير ضمن نخبة حكام العالم، ثم استُبعد قبل انطلاق البطولة.
ومن الأسباب التي تجعل هذه القصة تلقى كل هذا الصدى أن الرياضة تقوم أساساً على مبدأ الجدارة. فاللاعبون يتدربون لسنوات من أجل التأهل إلى كأس العالم. والمدربون يقضون عقوداً في بناء مسيرتهم المهنية.
أما الحكام، فيخضعون لسلسلة صارمة من الاختبارات والتقييمات قبل الحصول على فرصة إدارة البطولات الكبرى. وعندما يصل شخص إلى هذا المستوى، يكون هناك توقع طبيعي بأن تحدد مؤهلاته الرياضية وحدها حقه في المشاركة.
لقد كان عَرْتَنْ قد اختير بالفعل من قبل الفيفا ضمن حكام كأس العالم 2026، ويُقال إنه حصل على وثائق السفر المطلوبة، قبل أن يُمنع من الدخول بسبب مخاوف تدقيقية لم يُكشف عنها.
وبالنسبة لكثير من المراقبين، فإن تسلسل هذه الأحداث يثير أسئلة صعبة. فالإحباط لا ينبع فقط من النتيجة النهائية، بل من الانطباع بأن الاستحقاق الرياضي لم يكن كافياً لحماية مسؤول تحكيمي مستحق من ظروف تقع خارج نطاق كرة القدم.
لماذا يشعر المشجعون الأفارقة بمرارة خاصة؟
لطالما ناضلت كرة القدم الإفريقية من أجل الحصول على الاعتراف الكامل على الساحة العالمية. سواء تعلق الأمر بعدد المقاعد المخصصة لإفريقيا في كأس العالم، أو التمثيل داخل مؤسسات إدارة اللعبة، أو الاعتراف بالمواهب الإفريقية، فقد رأى كثير من المشجعين في القارة أن مساهمة إفريقيا في كرة القدم العالمية لا تحظى دائماً بالمعاملة التي تستحقها.
وفي هذا السياق، يبدو استبعاد أفضل حكم في إفريقيا ضربة مؤلمة بشكل خاص. وسيطرح كثير من المشجعين سؤالاً بسيطاً: إذا كان أفضل حكم في القارة لا يستطيع المشاركة في أكبر بطولة كروية في العالم رغم اختياره رسمياً من قبل الفيفا، فما الرسالة التي يبعث بها ذلك؟
وسواء كان هذا السؤال عادلاً أم لا، فإنه سيظل محوراً للجدل والنقاش. وتزداد حساسية القضية لأن عَرْتَنْ لم يكن مجرد اسم آخر على قائمة الفيفا، بل كان رائداً يستعد لصناعة تاريخ لبلد بأكمله.
تحدٍ جديد أمام الفيفا
كما تضع هذه القضية الاتحاد الدولي لكرة القدم في موقف غير مريح. فالفيفا دأب على التأكيد على مبادئ الشمولية والتنوع والتمثيل العالمي.

