«حين يتحول المولد إلى أداة للظهور والبحث عن المنصب، يفارق معناه الأول ويصبح في وادٍ آخر تماماً.» عبد الرحمن يوسف بخاري
———
قرأت مقالاً لأستاذنا الكاتب القدير عبد الرحمن غوري، نُشر في هذه المنصة، عن «القبة الخضراء» التي غزت شاشات هواتف البعض؛ أولئك الذين كانوا بالأمس القريب يستنفرون لمجرد ذكر كلمة «المولد»، فإذا هم اليوم من أوائل المحتفلين بمولد رسول الأنام، صلى الله عليه وسلم.
تساءل أستاذنا بلطف: كم عمر مولدكم؟
وأنا هنا أؤكد ما ذهب إليه الأستاذ غوري، بل أزيد عليه ملاحظة أراها جوهرية، وهي أن بعض المنتسبين إلى هذه الفئة نادراً ما يراجعون أنفسهم علناً، فلا تسمعهم يوماً يقولون: «كنا مخطئين، وذلك رأينا القديم، وهذا رأينا الجديد»، كما يفعل أمثالهم في بعض الدول الإسلامية والعربية، حيث نرى مراجعات مكتوبة أو برامج تلفزيونية يراجع فيها أصحابها مواقف تبنّوها ثم تراجعوا عنها. بل ترى هؤلاء يتسللون فجأة وبهدوء، ويصبحون شركاء في المشروع نفسه الذي كانوا بالأمس القريب يحذّرون منه، من غير أن يشعروك بأنهم غيّروا موقفهم أصلاً.
وربما كانت هذه سمة صومالية أكثر منها ظاهرة لدى فئة معينة؛ فالشخصية الصومالية - فيما هو ملاحظ لدى كثيرين، ومن بينهم طبعاً كاتب هذه السطور - تتحرّج من التنازل العلني أو الاعتراف بالخطأ، فتفضّل أن تتسلل إلى الموقف الجديد بهدوء، على أن تعلن مراجعتها بصراحة.
ولي في هذا حكاية عشتها بنفسي. ففي عام 2002، حين كنت معلماً في مدرسة ابتدائية بالعاصمة مقديشو، كنت أعلّم التلاميذ أناشيد في أيام العطلة الأسبوعية. جاءني ذات صباح شقيق أحد التلاميذ، وأخذ بيد أخيه أمامي، وهو يقول - بما يكفي لأسمعه -: لماذا جئت عند هؤلاء الكفار؟ وكان لهذا الرجل وجماعته موقف معروف ومتشدد من الأناشيد والفن بشكل عام.
واليوم، بعد هذه السنوات، أصبح ذلك الرجل نفسه مديراً لمدرسة تابعة للجهة عينها التي كان يكفّرها بالأمس. أما ذلك التلميذ الصغير، فقد كبر - وأنا أفتخر به - وأصبح أستاذاً ومديراً إدارياً في جامعة مرموقة تابعة للجهة نفسها. لم يعلن الرجل - المكفِّر، بكسر الفاء - يوماً أنه راجع نفسه، ولم يقل إنه كان مخطئاً؛ ببساطة، وجد نفسه في الموقع الجديد، وكأن شيئاً لم يكن. وأحسن ظني فيه أنني لم أعد كافراً عنده الآن، كما كنت في معتقده قبل قرابة ربع قرن.
هذا هو النمط الذي نراه يتكرر: لا مراجعة علنية، بل تموضع صامت، ومولد النبي، صلى الله عليه وسلم، ليس إلا مثالاً واضحاً على القاعدة نفسها.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نقف عند هذا الطرف وحده. فهناك طرف آخر مقابل له تماماً، يستحق وقفة لا تقل أهمية: أولئك الذين بالغوا في الاحتفال بالمولد حتى أدخلوه في صميم اللعبة السياسية. ومن أبرز صور ذلك السياسيون الذين يتسابقون ويتزاحمون على المشاركة في هذا الاحتفال أو ذاك في المواسم الانتخابية، فيوظّفون حضورهم فيها لحسابات لا علاقة لها بالمناسبة من قريب أو بعيد.
ونرى بعضهم هذه الأيام يقصدون بالذات المناطق التي يكثر فيها أتباع بعض الجماعات التي تحتفل بالمولد بالطريقة الشعبية السائدة، سعياً لكسب ودّهم، لا حباً في المناسبة نفسها.
ومن ذلك أيضاً ما رأيناه ممن يُقحم المولد في مناسبة أخرى لا صلة لها به من قريب أو بعيد، ثم ينتقل فجأة إلى إنشاد قصيدة، ويطلب ممن حضر أن يردّد خلفه، وكأنه يفرض عليهم طريقة لم يختاروها.
لكل منا أن يحتفل بمولد النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، بطريقته، وله الحق الكامل في ذلك، لكن أن يُقحم البعض المولد في مناسبة لا صلة لها به أصلاً، ويُجبر حضورها على الترديد خلفه، أليس هذا مبالغة من الطرف الآخر، تماماً كمبالغة الطرف الأول في التشدد؟

