حين أعلنت إسرائيل، في ديسمبر 2025 ، اعترافها بإقليم صوماليلاند، جاء رد الفعل الصومالي متوقعًا إلى حد كبير: موجة من الغضب، بيانات إدانة، وضجيج سياسي سرعان ما خفت دون أن يترك أثرًا عمليًا يُذكر. غير أن تلك اللحظة، على قصرها، لم تكن عابرة كما بدا. فقد كشفت أكثر مما أصلحت، وعرّت واقعًا ظل محجوبًا طويلًا خلف الشعارات والانفعالات. وربما، في مفارقة لافتة، كان ما كشفته أثمن مما خسره الصومال في تلك اللحظة.
إقليم صوماليلاند أعلن انفصاله عن الصومال عام 1991، لكنه لم يحظَ منذ ذلك الحين بأي اعتراف دولي رسمي. وتعتبره مقديشو إقليمًا انفصاليا لا يتمتع بأي صفة سيادية مستقلة. لذلك فإن خطوة إسرائيل تمثل خرقًا واضحًا لمبدأ وحدة الأراضي، وتشكل سابقة خطيرة في نظام دولي يفترض أنه يقوم على احترام السيادة وعدم تشجيع التفكك، لا في القرن الإفريقي وحده، بل في مناطق هشة عديدة حول العالم.
ومع ذلك، فإن هذا القرار — بعيدًا عن نواياه السياسية — يمكن قراءته بوصفه «هدية غير مقصودة». ليس لأنه يخدم الصومال، بل لأنه أجبره على النظر في المرآة، وكشف له هشاشته الداخلية، وحدود خطابه، وفراغ استراتيجيته.
لم يكن الاعتراف بصوماليلاند خطوة تهدف إلى دعم الاستقرار أو تعزيز السلام في المنطقة كما زُعم. بل كان فعلًا محسوبًا نابعًا من منطق المساومة الجيوسياسية والمصلحة البحتة. غير أن السياسة، في كثير من الأحيان، تُقاس بنتائجها لا بنوايا أصحابها. ففي لحظة واحدة، أزاح هذا القرار ستار الأوهام التي طالما غطّت الواقع الصومالي، سياسيًا واجتماعيًا واستراتيجيًا.
أول ما كشفته اللحظة هو هشاشة أعمق من مجرد ضعف المؤسسات. إنها هشاشة المشروع الوطني ذاته. فما يزال الصومال يفتقر إلى رؤية جامعة قادرة على امتصاص الصدمات الكبرى، أو تحويل التحديات الخارجية إلى فرص لإعادة البناء. وقد أظهر التعامل مع هذه الخطوة مدى ضآلة التوافق حول أسئلة جوهرية مثل السيادة، والهوية، واتجاه الدولة على المدى الطويل.
النخبة السياسية بدت مرتبكة. تراوحت ردودها بين غضب استعراضي وصمت محسوب، دون أن تقدم في الغالب تصورًا متماسكًا يتجاوز حدود الشجب اللفظي. وقلة فقط أبدت استعدادًا لتحمل كلفة سياسية حقيقية من أجل عمل طويل النفس. وبدا أن مفهوم السيادة، لدى بعض الفاعلين، ليس قيمة ثابتة بقدر ما هو ورقة تفاوض قابلة للتكييف.
حتى الخطاب الديني، الذي يُفترض أن يوفر بوصلة أخلاقية في لحظات الاختبار، ظهر منقسمًا ومسيّسًا. فالكلمات العالية في العلن لم تكن دائمًا مقرونة بثبات في الموقف أو شجاعة في الفعل. وهو ما يعكس تراجع قدرة هذا الخطاب على توحيد المجتمع في اللحظات المصيرية.
أما الشارع الصومالي، فقد عبّر عن غضبه بكثافة رمزية، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الغضب وحده لا يصنع سياسة. فالعاطفة، مهما كانت صادقة، سرعان ما تتبدد إن لم تتحول إلى تنظيم، وصبر، ورؤية ممتدة تتجاوز رد الفعل الآني.
على المستوى الإقليمي والدولي، لعب القرار دور «الأشعة السينية» في كشف المواقف الحقيقية. تمايز الحلفاء، وظهر المترددون، وانكشفت حدود التعاطف الدولي. وأعاد ذلك التذكير بقاعدة قاسية في السياسة الدولية: لا وجود للفراغ. الدول التي لا تحدد أولوياتها بوضوح، سيحددها الآخرون نيابة عنها.
الخوف كان حاضرًا: الخوف من سابقة قد تتكرر، ومن تفكك محتمل، ومن مستقبل مفتوح على المجهول. لكن الخوف ليس المشكلة بحد ذاته؛ المشكلة هي الإنكار. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تملك شجاعة مواجهة الحقائق المؤلمة تكون أقدر على الصمود والتكيف.
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل يمتلك الصوماليون النضج السياسي اللازم لتحويل هذه الصدمة إلى ورقة قوة؟
حتى الآن، تبقى الإجابة معلقة. فما يزال الصومال يفتقر إلى قيادة مستعدة لخوض معركة طويلة ومعقدة تُدار بالدبلوماسية، والقانون، وبناء السردية، والصبر الاستراتيجي. فهذا النوع من الصراعات لا يُدار بالعاطفة ولا بالاستعجال، بل يكافئ التماسك، والعمل الهادئ، وتراكم القوة بمرور الوقت.
الطرف الخصم ليس هامشيًا، ولا يتصرف بمعزل عن منظومة أوسع من النفوذ الغربي، والحماية الدبلوماسية، والتفوق التكنولوجي. وقرارات بنيامين نتنياهو ليست أفعالًا فردية، بل جزء من شبكة مصالح وحسابات. وأي رد صومالي فعّال لا بد أن يكون منظوميًا، لا مجرد رد فعل غاضب.
ومع ذلك، فإن الثقافة السياسية الصومالية لا تخلو من حكمةٍ استراتيجية متجذّرة. ففي الموروث الشعبي الصومالي قصة قديمة عن كيفية مواجهة الشدائد التي لا مفرّ منها. حين يُجبر الإنسان على شرب شرابٍ مرّ، فإن الحكيم لا يبتلعه دفعةً واحدة، بل يرتشفه ببطء وتعقّل، كأنه يحتسي شايًا خفيفًا ممزوجًا بالقرفة والهيل وحليب الإبل، بعيدًا عن أعين المتفرجين، وهو يفكّر بهدوء بينما يتحمّل وطأة الألم. وتقول الحكمة إن الحلول لا تولد من الضجيج، بل من رباطة الجأش.



