«حكم المحكمة لم يلغِ نتائج انتخابات غلمدغ فحسب، بل أعاد القضاء إلى قلب المعادلة السياسية والانتخابية في الصومال».
في الرابع والعشرين من أغسطس عام 2026، أصدرت المحكمة العليا الصومالية حكماً وصفه مراقبون بأنه زلزال سياسي هز أركان العملية الانتخابية التي راهنت عليها الحكومة الفيدرالية، حين ألغت نتائج انتخابات ولاية غلمدغ التي جرت في الثلاثين من يوليو من العام نفسه، وأمرت بإعادة إجرائها.
لم يكن هذا الحكم مجرد قرار قضائي عابر، بل كانت له دلالات عميقة تتجاوز حدود غلمدغ إلى مستقبل الانتخابات الوطنية برمتها، إذ اعتبرت المحكمة أن المخالفات التي شابت العملية الانتخابية لم تكن بسيطة أو هامشية، بل مست جوهر القوانين المنظمة للانتخابات ونصوصها الصريحة، ما يجعل النتائج باطلة وغير قابلة للتصحيح.
وتزداد أهمية الحكم بالنظر إلى توقيته السياسي الحساس، إذ تعيش البلاد مرحلة من التجاذب الحاد بشأن شكل الانتخابات المقبلة وآليات إجرائها ومدى التوافق السياسي حولها. ولذلك فإن إلغاء انتخابات جرى تقديمها باعتبارها خطوة في اتجاه الانتقال إلى الاقتراع المباشر لا يمكن فصله عن النقاش الوطني الأوسع بشأن مستقبل النظام الانتخابي. فالحكم لا يتناول فقط نتائج عملية انتخابية محددة، وإنما يثير أسئلة حول مدى جاهزية المؤسسات القائمة لإدارة انتخابات أكثر تعقيداً واتساعاً على المستوى الوطني.
المفوضية الانتخابية الصومالية، بوصفها الجهة المسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية، تجد نفسها اليوم في مواجهة أزمة مصداقية غير مسبوقة. فقد كان يفترض أن تكون المفوضية على مسافة واحدة من جميع الأطراف السياسية، إلا أن المعارضة كثيراً ما شككت في حيادها، معتبرة أنها تتلقى التوجيهات من الحكومة الفيدرالية، خاصة بعد التعديلات الدستورية الأخيرة التي أثارت جدلاً واسعاً بين الحكومة والأقاليم الفيدرالية.
وحكم المحكمة العليا جاء ليعزز هذه الشكوك لدى منتقدي المفوضية، بعدما كشف عن وجود تجاوزات قانونية جوهرية أثرت في سير العملية الانتخابية. وبالنسبة للمفوضية، فإن إلغاء النتائج يعني إهدار الجهود والتكاليف والوقت الذي استثمر في الانتخابات على مدى أشهر، كما أنه عمق الجرح في سمعتها وزاد من عزلة المعارضة التي قاطعت العملية أصلاً.
لكن الضرر الذي لحق بالمفوضية لا ينبغي أن يقاس فقط بما أُنفق من أموال أو بما ضاع من وقت، بل بحجم الثقة التي فقدتها العملية الانتخابية نفسها. فالانتخابات لا تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع وحدها، وإنما من ثقة المتنافسين والناخبين بأن القواعد تطبق بصورة عادلة ومتساوية على الجميع. وعندما تتدخل أعلى سلطة قضائية لإلغاء النتائج بسبب مخالفات تمس القانون، تصبح استعادة هذه الثقة أكثر صعوبة من مجرد إعادة تنظيم التصويت.
ولمواجهة هذا الوضع، تحتاج المفوضية إلى إعادة بناء الثقة عبر تقوية آليات الرقابة القانونية، وتوسيع قاعدة المشاورات مع الشركاء السياسيين، والالتزام الصارم بنصوص القوانين الانتخابية، مع مطالبة البرلمان بتعديل أي نصوص غير قابلة للتطبيق. كما أن إعادة الانتخابات وحدها لن تكون كافية إذا لم يصاحبها تقييم شامل للأخطاء التي أدت إلى إلغاء النتائج، وتحديد المسؤولية عنها، ووضع ضمانات تمنع تكرارها في الاستحقاقات المقبلة.
أما الأحزاب والمنظمات السياسية المشاركة في العملية الانتخابية، فقد أدركت من خلال هذا الحكم خطورة التجاوزات التي ارتكبتها المفوضية، وهو ما يضع علامة استفهام كبيرة حول مشاركتها مستقبلاً في أي انتخابات ما لم تتغير المنهجية الحالية. غير أن اللافت في سلوك هذه الأحزاب أنها ظلت تعتمد على مخاطبة الجماهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم الشكاوى للرأي العام، بدل الالتفات إلى البعد القانوني ودور المحاكم والجهات القضائية المختصة في النظر في النزاعات الانتخابية.
ويؤمل أن تستوعب هذه الأحزاب الدرس من هذا الحكم، وتوجه اهتمامها نحو القانون وآليات فض النزاعات المنصوص عليها في الدستور والقوانين الأخرى، لأن ذلك هو السبيل الأنجع لضمان نزاهة العملية الانتخابية. فالاحتكام إلى القضاء يمنح النزاعات السياسية إطاراً مؤسسياً، ويحول دون بقاء الخلافات رهينة للتصعيد الإعلامي أو الشارع السياسي. ومن هنا قد يشكل حكم المحكمة سابقة مهمة تدفع الأحزاب إلى تطوير قدراتها القانونية، وإيلاء الطعون الانتخابية ما تستحقه من اهتمام.

