عندما تعترف دولة بكيان غير معترف به دولياً، فإن أهمية الحدث لا تقاس فقط بما وقع في يومه الأول، بل أيضاً بما قد يفتحه من أبواب في اليوم التالي. فالتاريخ الدبلوماسي يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تحدث دفعة واحدة، بل تتراكم خطوة بعد أخرى. ولهذا فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما الذي فعلته إسرائيل فحسب، بل ما إذا كانت أطراف أخرى تراقب التجربة بانتظار معرفة ما إذا كانت ستنجح أم لا.
ليس أخطر ما في اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» أنه حدث، بل أنه قد لا يكون نهاية القصة. فالقرارات الكبرى في السياسة الدولية لا تأتي فجأة، ولا تنتهي عند أول بيان إدانة. وغالباً ما تبدأ على شكل اختبار: هل توجد كلفة حقيقية؟ هل يستطيع الطرف المتضرر الرد؟ وهل سيقف الحلفاء إلى جانبه بالفعل، أم سيكتفون بعبارات القلق والدعوة إلى ضبط النفس؟
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل مقديشو اليوم ليس فقط: لماذا اعترفت إسرائيل؟ بل: من قد يكون التالي؟
قد لا تكون هناك دولة مستعدة اليوم لإعلان اعتراف رسمي وفوري بـ«أرض الصومال»، لكن السياسة لا تتحرك دائماً عبر الأبواب الرسمية. ففي كثير من الأحيان يبدأ الأمر بمكتب تجاري، ثم تعاون أمني، ثم اتفاق بشأن ميناء، ثم زيارة علنية، ثم تمثيل شبه دبلوماسي، قبل أن يتحول في النهاية إلى اعتراف كامل. فالاعتراف الرسمي قد يكون آخر خطوة، لا أولها.
لم تتحرك إسرائيل لأن «أرض الصومال» أصبحت فجأة قضية أخلاقية في نظرها، بل لأنها رأت فرصة جيوسياسية. فموقع الإقليم على خليج عدن، وقربه من مضيق باب المندب، واتصاله المباشر بمسرح البحر الأحمر واليمن، يجعله أكثر من مجرد كيان يسعى إلى الاعتراف الدولي. إنه نقطة نفوذ ومراقبة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية واضطراباً.
ومن هنا ينبغي قراءة القرار الإسرائيلي بعيداً عن العاطفة. فإسرائيل لم تختر هذه اللحظة لأنها عثرت على حجة قانونية جديدة، بل لأنها وجدت سياقاً إقليمياً مختلفاً: حرب في غزة، وتوترات في البحر الأحمر، وصراع في اليمن، وحرب في السودان، وتنافس على الموانئ، وسباق دولي على النفوذ في القرن الإفريقي. وفي مثل هذا العالم تتحول الجغرافيا إلى عملة سياسية، وتصبح الموانئ أكثر أهمية من الخطب، والممرات البحرية أكثر تأثيراً من البيانات.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل إسرائيل وحدها؟
في الإعلان الرسمي ربما نعم. أما في الحسابات الاستراتيجية، فالأرجح أن هناك من يراقب، ومن يبارك بصمت، ومن ينتظر قياس حجم الكلفة قبل الإقدام على خطوة مشابهة. ففي السياسة الدولية توجد دائماً دولة تكسر الحاجز الأول، بينما تنتظر دول أخرى في الخلف حتى تنضج الظروف.
ولهذا لا ينبغي للصومال أن يتعامل مع الاعتراف الإسرائيلي باعتباره حدثاً منفرداً انتهى أثره. بل يجب النظر إليه بوصفه سابقة قابلة للتكرار إذا لم تُحاصر مبكراً. فالسابقة هي الخطر الحقيقي. وإذا مر الاعتراف الأول من دون ثمن سياسي أو دبلوماسي واضح، فقد يصبح الاعتراف الثاني أسهل، والثالث أكثر طبيعية.
من قد يكون التالي؟ ليس من الحكمة إطلاق أسماء محددة من دون أدلة، لكن يمكن تحديد نوعية الدول التي قد تفكر في هذا المسار. وهي الدول التي تمتلك مصالح مباشرة في البحر الأحمر، أو في الموانئ، أو في خطوط التجارة، أو في موازين القوى الإقليمية، أو في بناء مواقع نفوذ خارج حدودها. هذه الدول قد لا تعترف غداً، لكنها قد توسع علاقاتها مع هرجيسا خطوة بعد خطوة، إلى أن يصبح الواقع السياسي أكبر من الموقف القانوني.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحول عدم الاعتراف الرسمي إلى اعتراف عملي غير معلن.
فقد تؤكد دولة ما احترامها لوحدة الصومال، لكنها تفتتح مكتباً اقتصادياً في هرجيسا. وقد تعلن دولة أخرى تمسكها بالقانون الدولي، لكنها توقع اتفاقاً أمنياً أو مينائياً مع الإقليم. وقد تصر دولة ثالثة على أنها لا تعترف بـ«أرض الصومال»، لكنها تتعامل معها كطرف مستقل في ملفات التجارة والهجرة والأمن. وعندها يصبح الاعتراف الرسمي مجرد مسألة وقت.
والأخطر من ذلك أن نجاح هذا النموذج قد لا يبقى محصوراً في الصومال. فنحن نعيش في عالم يعاد تشكيله تحت ضغط الحروب والانقسامات وضعف الدول. اليمن يواجه مخاطر الانقسام الفعلي. والسودان يعيش حرباً قد تفرز خرائط نفوذ جديدة. وليبيا ما زالت تعاني انقساماً سياسياً ومؤسسياً. وبعض الدول الهشة في المنطقة قد تتحول إلى ساحات تجارب لترتيبات جديدة لا تبدأ بتغيير الحدود رسمياً، بل بترسيخ سلطات الأمر الواقع.
قد لا تكون هناك حرب عالمية ثالثة، لكننا نعيش مرحلة تشبه ما بعد الحروب الكبرى: مرحلة من السيولة السياسية، وتراجع القواعد التقليدية، وجرأة متزايدة على اختبار الحدود القائمة. فالشرق الأوسط والقرن الإفريقي لم يعودا منطقتين منفصلتين، بل أصبحا مسرحاً استراتيجياً واحداً. وما يحدث في غزة ينعكس على البحر الأحمر، وما يجري في اليمن يؤثر في الصومال، وما يحدث في السودان ينعكس على القرن الإفريقي. أما ما يحدث في الصومال، فلم يعد شأناً صومالياً خالصاً.
وفي هذا المشهد، لا مكان للدول التي تكتفي بالشكوى. فالعالم لا يحترم فقط من يملك الحق، بل يحترم أيضاً من يملك القدرة على الدفاع عنه. والصومال يمتلك الحق القانوني في الحفاظ على وحدة أراضيه، لكنه يحتاج إلى تحويل هذا الحق إلى قوة سياسية ودبلوماسية مؤثرة.
وهنا يبرز سؤال الأصدقاء.
من هم أصدقاء الصومال الحقيقيون؟ هل هم الذين يصدرون بيانات تؤكد احترام وحدة الصومال؟ أم الذين يستخدمون نفوذهم لمنع تحول الاعتراف الإسرائيلي إلى موجة أوسع؟
الفارق كبير. فالبيانات مهمة، لكنها لا تكفي. الصديق الحقيقي هو من يتحرك في العواصم المؤثرة، ويحذر من خطورة السابقة، ويربط مصالحه باستقرار الصومال ووحدته، ولا يفتح في الوقت ذاته قنوات خلفية مع مشروع انفصالي ثم يتحدث علناً عن احترام السيادة.
وعلى مقديشو أن تختبر مواقف الجميع: الاتحاد الإفريقي، والجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وتركيا، ومصر، وجيبوتي، وإثيوبيا، ودول الخليج، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي. لكن ليس بالسؤال التقليدي: هل تؤيدون وحدة الصومال؟ بل بسؤال أكثر دقة: ماذا ستفعلون لمنع الاعتراف التالي؟

