«القيمة الاقتصادية الحقيقية للعلاقة التجارية بين البلدين لا تقاس بزيادة الصادرات التركية وحدها، بل بقدرتها على تعزيز الإنتاج والصادرات الصومالية أيضا». حسن حسين يوسف
احتل الصومال مكانة ثانوية في السياسة الخارجية التركية حتى وقت غير بعيد، إلا أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مقديشو عام 2011، وما أعقبها من حملة واسعة للمساعدات الإنسانية، شكلت نقطة تحول في سياسة تركيا تجاه الصومال.
وشهدت العلاقات التركية–الصومالية منذ ذلك الحين تحولا ملحوظا، خاصة في الجانبين الاقتصادي والاستثماري. فبعد تلك الزيارة، توسع الحضور التركي في الصومال تدريجيا، وانتقلت تركيا من التركيز الأساسي على المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري.
وتنظر تركيا إلى القارة الإفريقية باعتبارها سوقا كبيرة ومجالا مهما للاستثمارات المستقبلية. ولذلك، فإن سياستها تجاه إفريقيا لا تقتصر على تقديم المساعدات، بل ترتبط أيضا بتوسيع العلاقات التجارية، وتشجيع الشركات التركية على الاستثمار، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والخدمات التركية.
وفي هذا السياق، أصبح السوق الصومالي جزءا من التوجه الاقتصادي التركي في إفريقيا، بالنظر إلى موقع الصومال الاستراتيجي قرب البحر الأحمر وعلى المحيط الهندي، وما يمتلكه من موارد طبيعية وفرص استثمارية في قطاعات متعددة.
وكانت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين تركيا والصومال محدودة نسبيا قبل عام 2011، لكنها شهدت نموا ملحوظا بعد ذلك. فقد بدأ الحضور التركي من خلال المساعدات الإنسانية ومشروعات التنمية، ثم تطور تدريجيا ليشمل التجارة والاستثمار والبنية التحتية والصحة والتعليم والطاقة والخدمات وغيرها من القطاعات.
وبذلك، انتقلت العلاقة التركية–الصومالية تدريجيا من علاقة يغلب عليها الطابع الإنساني إلى علاقة اقتصادية أوسع، تقوم على المصالح المتبادلة، مع إمكانية تطورها مستقبلا إلى شراكة اقتصادية واستراتيجية أكثر عمقا.
الاقتصاد الصومالي وفرص الاستثمار الأجنبي
يتمتع الاقتصاد الصومالي بإمكانات كبيرة، رغم التحديات التي واجهها نتيجة انهيار مؤسسات الدولة والحرب الأهلية منذ تسعينيات القرن الماضي. فقد استطاع القطاع الخاص الصومالي الاستمرار في العمل وتوفير العديد من الخدمات والأنشطة الاقتصادية، وأصبح عنصرا أساسيا في الاقتصاد الوطني.
ويعتمد الاقتصاد الصومالي بدرجة كبيرة على قطاعات الثروة الحيوانية والزراعة والثروة السمكية والتجارة والخدمات، إضافة إلى التحويلات المالية التي يرسلها الصوماليون المقيمون في الخارج والاستثمار الأجنبي المباشر. كما يتركز جزء كبير من النشاط الاقتصادي في المناطق الحضرية، ولا سيما العاصمة مقديشو والمدن التجارية الرئيسية.
وعلى الرغم من هذه الإمكانات، يعاني الاقتصاد الصومالي من قيود هيكلية، أبرزها ضعف البنية التحتية الاقتصادية، ومحدودية القطاع الصناعي، وضعف الإنتاج المحلي، وانخفاض القدرة التصديرية. وقد أدى ذلك إلى اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجات السكان والأسواق المحلية.
وفي الوقت الذي تتركز فيه صادرات الصومال بصورة أساسية في الثروة الحيوانية والمنتجات الزراعية والسمكية، يستورد البلد نسبة كبيرة من السلع والمنتجات من الخارج، وخاصة من دول مثل الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا والهند والصين.
ولذلك، يمثل الاستثمار الأجنبي المباشر إحدى الأدوات المهمة التي يمكن أن تساعد الصومال على تطوير بنيته الاقتصادية، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحسين قدرته على التصدير.
المصالح الاقتصادية المتبادلة بين البلدين
برزت تركيا بوصفها أحد الشركاء الاقتصاديين المهمين للصومال، فقد شهدت الصادرات التركية إلى السوق الصومالية ارتفاعا ملحوظا بعد عام 2011، كما بدأت الشركات التركية الدخول إلى قطاعات مختلفة من الاقتصاد الصومالي.
ولم يقتصر النشاط التركي على التجارة، بل امتد إلى تنفيذ مشروعات في البنية التحتية والتعليم والصحة والخدمات والأمن، إلى جانب الاستثمار في عدد من المجالات الاقتصادية.
ويعكس هذا التوسع رغبة تركيا في بناء حضور اقتصادي طويل الأمد في الصومال، في حين يمكن للجانب الصومالي الاستفادة من رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والخدمات التي توفرها الشركات والمؤسسات التركية.
وتقوم العلاقة الاقتصادية بين البلدين إلى حد كبير على المصالح المتبادلة. فالصومال يحتاج إلى الاستثمارات الأجنبية لتطوير البنية التحتية، وزيادة الإنتاج المحلي، وتوفير فرص العمل، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتطوير قطاعات الطاقة والثروة البحرية والصناعة.
وفي المقابل، تسعى تركيا إلى توسيع أسواقها الخارجية، وزيادة صادراتها، وتعزيز استثمارات شركاتها، وتوسيع حضورها الاقتصادي في القارة الإفريقية. ولذلك، توفر المصالح الاقتصادية للطرفين أساسا يمكن أن يدعم استمرار العلاقات التجارية والاستثمارية بينهما.
ومن ثم، يمكن القول إن العلاقات التركية–الصومالية لم تعد قائمة على المساعدات الإنسانية وحدها، بل أصبحت تتجه بصورة متزايدة نحو نموذج اقتصادي يقوم على التجارة والاستثمار والمشروعات المشتركة والمصالح المتبادلة.
ويعد هذا التحول مهما بالنسبة إلى الصومال، لأنه يتيح إمكانية الاستفادة من الاستثمارات والخبرات الأجنبية في إعادة بناء الاقتصاد وتطوير القطاعات الإنتاجية. كما يمثل فرصة لتركيا لتعزيز موقعها الاقتصادي في منطقة القرن الإفريقي وفتح مجالات جديدة أمام شركاتها ومستثمريها.
ومع ذلك، فإن استمرار الانخراط الاقتصادي التركي وتوسعه في الصومال يتطلبان معالجة عدد من التحديات، وفي مقدمتها التحديات الأمنية والسياسية، وضعف البيئة الاستثمارية، وعدم الاستقرار المؤسسي، والصعوبات المرتبطة بالسياسات التجارية والأطر القانونية والتنظيمية.
ولذلك، فإن تحسين البيئة الاستثمارية، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير المؤسسات الاقتصادية، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي والأمني، تعد عوامل أساسية لجذب المزيد من الاستثمارات التركية والأجنبية عموما.

