«ما يجمع مصر والصومال أكبر من أزمة طارئة، وأوسع من خلاف مع طرف ثالث، وتفرضه مصالح استراتيجية تتجاوز حسابات التوتر الإقليمي».- عبد الرحمن محمد غوري.
تزدحم منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر منذ فترة بأزمات يصعب النظر إلى إحداها بمعزل عن الأخرى. هناك مياه النيل، والحرب في السودان، والخلاف بين الصومال وإثيوبيا، وسعي إثيوبيا إلى منفذ على البحر، وما يحيط بالموانئ والسواحل من خلافات.
وهناك أيضا باب المندب وقناة السويس، الطريق الذي تعبر منه السفن إلى مصر ومنها إلى البحر المتوسط. لذلك، لم يكن اجتماع مصر والسودان وإريتريا والصومال في العلمين مجرد قمة عادية.
أسماء الدول الأربع تقول الكثير: مصر والسودان على النيل، والسودان وإريتريا على البحر الأحمر، والصومال عند خليج عدن وقرب باب المندب. وبين هذه المواقع تقف إثيوبيا طرفا في خلاف مع مصر حول المياه، ومع الصومال حول السيادة والوصول إلى البحر.
كان طبيعيا أن يحتل النيل مكانا بارزا في إعلان العلمين. تقول مصر منذ سنوات إن خلافها مع إثيوبيا ليس حول حقها في التنمية، بل حول الإجراءات الأحادية التي قد تضر بدولتي المصب. واللافت أن مبادئ عدم الإضرار، والإخطار المسبق، والتشاور والتوافق، لم تعد هذه المرة موقفا مصريا منفردا، بل وردت في إعلان وقعت عليه ثلاث دول إفريقية أخرى.
لم يذكر الإعلان إثيوبيا بالاسم، ولم يكن ذلك ضروريا؛ فالحديث عن دولتي المصب ورفض الإجراءات الأحادية واضح، خصوصا بعد سنوات طويلة من الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا، وسياسة الأمر الواقع التي اتبعتها الأخيرة في قضية تعدها مصر جزءا من أمنها القومي.
وفي الإعلان عبارة أخرى تستحق التوقف عندها: إدارة شؤون البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة. وإثيوبيا دولة حبيسة، ومن حقها أن تبحث عن طرق وموانئ لتجارتها، لكن استخدام ميناء لأغراض التجارة شيء، والحصول على حق سيادي في البحر شيء آخر. ودول العالم الحبيسة كثيرة، ولم تتحول حاجتها إلى التجارة إلى حق في سواحل جيرانها.
والصومال هو الطرف الأكثر التصاقا بهذه المسألة. فقد أكد المجتمعون وحدة جمهورية الصومال الفيدرالية وسيادتها، ورفضوا الاعتراف بما يسمى «أرض الصومال» أو دعمه. وبالنسبة إلى مقديشو، هذه قضية سيادة ووحدة أراض؛ فخلافها مع إثيوبيا يتصل بالأرض والبحر. ولذلك تلتقي القاهرة ومقديشو اليوم عند خلافهما مع طرف واحد، وإن اختلفت أسباب كل منهما.
لكن إثيوبيا ليست السبب الوحيد في التقارب بين القاهرة ومقديشو. فالخصومات قد تنتهي أو تهدأ، أما الموقع فلا يتغير. يطل الصومال على خليج عدن والطريق المؤدي إلى باب المندب والبحر الأحمر، ثم قناة السويس. ولذلك يتصل أمن السواحل الصومالية واستقرارها مباشرة بأمن هذا الطريق، الذي يمثل لمصر أهمية سياسية واقتصادية كبيرة.
وتدرك مصر أن اضطراب الملاحة في جنوب البحر الأحمر يمتد أثره إلى قناة السويس والاقتصاد المصري. لذلك تكتسب استقرارية الصومال أهمية لمصر، كما أن وجود دولة صومالية قادرة على حماية ساحلها ومياهها يصب في أمن المنطقة التي تمر عبرها التجارة المتجهة إلى قناة السويس.
ولا تحتاج العلاقة بين مصر والصومال إلى خلاف البلدين مع إثيوبيا لكي تكون مهمة. فالصومال يحتاج إلى مصر، بما تملكه من حضور عربي وإفريقي وخبرة في شتى المجالات، ومصر تحتاج في المقابل إلى صومال مستقر وقوي، قادر على حماية أرضه وساحله وقراره. إنها علاقة تفرضها مصالح أبقى من أي خلاف مشترك مع طرف ثالث.
وهنا ربما تكمن المسألة الأهم. فمصلحة مصر ليست في صومال ضعيف يحتاج إليها باستمرار، وإنما في صومال قوي قادر على حماية أرضه وساحله وقراره؛ لأن ضعف الدولة يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، ويزيد اضطراب منطقة تمس الأمن القومي المصري مباشرة. لذلك، فإن مساعدة مقديشو على بناء الجيش والمؤسسات، ودعمها سياسيا واقتصاديا، لا تمثل مساندة للصومال وحده، بل استثمارا في استقرار منطقة يرتبط أمنها بأمن مصر.
والسودان حاضر في هذه الحسابات. فهو جار مصر وشريكها في النيل، ودولة مطلة على البحر الأحمر. ولهذا أكد إعلان العلمين وحدة السودان وسلامة أراضيه، ودعم مؤسساته الوطنية، ورفض الكيانات الموازية والمرتزقة. فالحرب هناك تمتد آثارها إلى جوار السودان والبحر الأحمر ودول المنطقة.

