«في الصومال، لا يُعدّ التداول السلمي للسلطة مجرد طقس سياسي، بل هو الخط الفاصل بين الاستقرار الهش وتجدد حالة عدم اليقين. ومع تصاعد التوترات حول الانتخابات والتعديلات الدستورية، تواجه البلاد لحظة مفصلية جديدة».
يعتمد نجاح مسار بناء الدولة في الصومال بدرجة أقل على هوية الفائز بالمناصب السياسية، وبدرجة أكبر على ما إذا كان انتقال السلطة يتم بصورة سلمية وبقبول وطني واسع. ففي الدولة الهشة، لا يمكن النظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد حدث سياسي عادي، بل يجب فهمها باعتبارها لحظة مفصلية قد تعزز مؤسسات الدولة أو تعمّق هشاشتها القائمة. وفي ظل التوترات الفيدرالية المستمرة، وانعدام الأمن، والأزمات الإنسانية، وحالة انعدام الثقة الاجتماعية المتجذرة، فإن الانتقال المنظم للسلطة ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل شرط أساسي لبقاء الصومال كدولة قادرة على الاستمرار.
إن التداول السلمي للسلطة لا يعني مجرد تغيير القيادة في «فيلا صوماليا»، بل يمثل التزاماً جماعياً بحصر التنافس السياسي ضمن الأطر الدستورية. كما يعكس قبولاً واسعاً بين الأطراف السياسية بأن السلطة تستند إلى المؤسسات لا إلى الأفراد. فالانتقال السلمي يعزز أداء المؤسسات، بينما تؤدي محاولات التمديد الأحادي للسلطة إلى كشف هشاشة الدولة وزيادة قابليتها للانزلاق نحو العنف.
وقد أثبتت الحكومات الصومالية المتعاقبة بالفعل أن الانتقال السياسي السلمي ممكن. فعلى الرغم من أوجه القصور العديدة، أتاح المسار السياسي منذ عام 2000 عدة عمليات انتقال للقيادة، وأظهر أن الانتقالات السلسة يمكن أن تسهم في استقرار البلاد وضمان استمرارية مؤسسات الحكم. ويشير «مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية» إلى أن الدورات الانتخابية المتعاقبة في الصومال منذ تأسيس الجمهورية الثالثة عام 2000 ساعدت على إضفاء الطابع المؤسسي على عملية انتقال القيادة رغم هشاشة المشهد السياسي في البلاد.
ومع ذلك، أصبح المشهد السياسي الحالي أكثر حساسية وتعقيداً. فقد أدت التوترات المتعلقة بالتعديلات الدستورية والانتخابات وسلطة الحكومة الفيدرالية في توجيه العملية الانتخابية بشكل أحادي إلى تآكل الثقة بصورة كبيرة بين الأطراف السياسية الرئيسية. ويشير «معهد هيريتيج للدراسات السياسية» إلى أن جهود مقديشو لإدارة الانتخابات المحلية والإقليمية والوطنية من خلال التعديلات الدستورية الأخيرة والقوانين الانتخابية الجديدة قد زادت من حدة الاحتكاك السياسي، وخلقت تفسيرات قانونية متنافسة بشأن الصلاحيات بين مقديشو وبعض الأقاليم الفيدرالية. وفي هذا السياق الهش، يتطلب الانتقال السلمي للسلطة توافقاً سياسياً واسعاً لمنع تحول التنافس السياسي إلى صراع مفتوح.
وتكمن الخطورة في أن الخلافات السياسية غير المحسومة قد تؤدي إلى تقويض الأسس نفسها التي تقوم عليها الدولة. فعندما يُنظر إلى الانتخابات باعتبارها غير عادلة، أو يتم تأجيلها دون توافق واسع، أو يجري التحكم بها بصورة أحادية من قبل القيادة الحاكمة، تتراجع ثقة الجمهور بمؤسسات الدولة، وتنسحب قوى المعارضة من العملية الانتخابية، كما تقلص الأقاليم الفيدرالية تعاونها مع الحكومة الفيدرالية. وقد تنقسم القوات الأمنية أيضاً على أسس عشائرية. وعندما تفقد المؤسسات العامة حيادها، تصبح الدولة أكثر ضعفاً، وقد تتحول الخلافات السياسية إلى نزاع واسع النطاق.
وتزداد خطورة هذا الوضع في ظل استمرار التمرد المسلح في الصومال. فما تزال حركة الشباب تشكل تهديداً رئيسياً، إذ تنفذ هجمات متكررة وتستغل الانقسامات السياسية الداخلية. كما أن عملية مراجعة الدستور وخارطة الطريق الانتخابية المتنازع عليهما قد ولّدتا توترات سياسية عميقة، بل وأدت في بعض المناطق إلى مواجهات عنيفة.
كما أن الانتقال السلس للسلطة يعد ضرورياً للحفاظ على ثقة المواطنين. فالحكومات تكتسب شرعيتها عندما يلتزم المسؤولون بالقواعد نفسها التي يطالبون الآخرين باحترامها. وقد سئم كثير من الصوماليين من الصراعات السياسية بين النخب، في وقت ما يزال فيه المواطنون العاديون يواجهون تحديات ملحّة مثل انعدام الأمن الغذائي، والبطالة، والنزوح، وضعف الخدمات العامة.
كما يعزز الانتقال السياسي السلمي من مصداقية الصومال الدولية. فالصومال يعتمد بدرجة كبيرة على التعاون مع الشركاء الدوليين في مجالات الأمن والتنمية وتخفيف الديون وبناء المؤسسات. ولذلك، يراقب المستثمرون والمانحون والشركاء الدبلوماسيون عن كثب ما إذا كان القادة السياسيون قادرين على التوصل إلى توافق بشأن العملية الانتخابية. إن الانتقال السلمي والسلس للسلطة يبعث برسالة مفادها أن البلاد تتجه نحو مزيد من الاستقرار والنضج السياسي. وعلى العكس من ذلك، فإن تكرار الأزمات الانتخابية كل أربع سنوات يوحي بأن الاستقرار لا يزال هشاً، وأن القوانين يمكن تجاوزها، وأن السلطة يمكن الحصول عليها عبر الإكراه بدلاً من سيادة القانون.




