لم يعد الدور التركي المتوسع في القرن الإفريقي يُنظر إليه بوصفه دبلوماسية هامشية، بل تحولًا هيكليًا في الهندسة الأمنية للمنطقة، وذلك وفقًا لتحليل جديد نشره معهد الشؤون الخارجية (IFA)، التابع لوزارة الخارجية الإثيوبية.
وفي المقال المعنون «محور أنقرة: تقييم دور تركيا في الهندسة الأمنية الجديدة للقرن الإفريقي»، يجادل الباحث "روبيل بيفيكادو" بأن تركيا تحولت من فاعل إقليمي منضوٍ تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى قوة وسطى فاعلة ذات طموحات استراتيجية مستقلة، تتجلى بشكل خاص في الصومال وممر البحر الأحمر.
من المدخل الإنساني إلى التمركز الاستراتيجي
يرصد التحليل انخراط تركيا في المنطقة إلى سياسة «الانفتاح على إفريقيا» عام 2005، وتصنيفها شريكًا استراتيجيًا للاتحاد الإفريقي عام 2008. غير أن نقطة التحول جاءت خلال مجاعة الصومال عام 2011، عندما زار رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان مقديشو.
وفي البداية، قُدم الحضور التركي على أنه انخراط إنساني عبر وكالات مثل «تيكا» والهلال الأحمر التركي، إلا أن هذا الانخراط سرعان ما تطور إلى موطئ قدم اقتصادي استراتيجي. إذ حصلت شركات تركية على حقوق إدارة ميناء مقديشو ومطار آدم عبد الله الدولي، ما رسّخ حضور أنقرة داخل البنية التحتية الاقتصادية للصومال.
تحول 2017 الأمني
بحسب ورقة معهد الشؤون الخارجية، فإن التحول الحاسم وقع عام 2017 مع إنشاء منشأة «توركصوم» للتدريب العسكري في مقديشو. فقد انتقلت تركيا من «مانح قوة ناعمة» إلى ما يصفه الكاتب بـ«مزود أمني ذي طابع عسكري مباش».
ومن خلال «توركصوم»، دربت تركيا جزءًا كبيرًا من الجيش الوطني الصومالي، بما في ذلك وحدات «غورغور» النخبوية، ما جعلها أحد أبرز الضامنين الأمنيين للحكومة الفيدرالية.
كما يربط المقال الموقف الأمني لأنقرة بالديناميات الإقليمية الأوسع، لا سيما أزمة الخليج عام 2017. إذ دفع حصار قطر تركيا إلى تجاوز الحياد المحسوب وتأمين استثماراتها في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
الاستراتيجية البحرية وأسئلة السيادة
يركز التحليل بشكل أساسي على اتفاقية الدفاع البحري والتعاون الاقتصادي لعام 2024 (MDECA) بين تركيا والصومال. وبموجب الاتفاقية الممتدة لعشر سنوات، توفر تركيا الأمن البحري للمنطقة الاقتصادية الخالصة للصومال (EEZ) مقابل حصة من الموارد البحرية.

