لطالما جرى تصوير القرن الإفريقي في الخطاب الأمني العالمي باعتباره ملاذًا طبيعيًا للإرهاب. وغالبًا ما قُدِّم الصومال، على وجه الخصوص، بوصفه النموذج الأبرز لـ“الدولة الفاشلة”، التي يُفترض أنها توفر بيئة مثالية لازدهار الجماعات المتطرفة. غير أن قراءة متأنية لدراسة Al-Qa’ida’s (Mis)Adventures in the Horn of Africa، الصادرة عن مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، تتحدى هذه الفرضية السائدة، وتقدم فهمًا أكثر تعقيدًا—وربما أكثر دقة—لكيفية عمل الإرهاب في البيئات الهشة.
في صميم الدراسة تبرز فكرة مضادة للبديهيات: الدول المنهارة بالكامل لا تشكل بالضرورة أرضًا خصبة للمنظمات الإرهابية. بل إن الدول الضعيفة ولكن القائمة—أي تلك التي تعاني من محدودية في قدرات الحوكمة لكنها تمتلك حدًا أدنى من البنية التحتية—توفر بيئات تشغيلية أكثر ملاءمة. هذا التمييز يعيد تشكيل فهم المحللين للقرن الإفريقي، كما يفرض إعادة النظر في سياسات مكافحة الإرهاب في مناطق مشابهة.
تشكل تجربة تنظيم القاعدة في أوائل تسعينيات القرن الماضي محور الدراسة. فمن خلال وثائق داخلية رُفعت عنها السرية، تعيد الدراسة بناء محاولات التنظيم التوسع في شرق إفريقيا، خاصة في الصومال وكينيا. وتكشف هذه الوثائق عن تنظيم دخل المنطقة بتوقعات مرتفعة، لكنه واجه واقعًا أكثر تعقيدًا وعدائية مما كان يتصور. فالقرن الإفريقي، بدلًا من أن يكون قاعدة سهلة للعمليات، فرض قيودًا هيكلية قوضت طموحات القاعدة.
ويبرز الصومال باعتباره المثال الأوضح على هذا الخطأ في التقدير. فخلافًا للاعتقاد الشائع بأن غياب الدولة يوفر بيئة مواتية للتطرف، أظهرت تجربة القاعدة العكس. فقد أدى المشهد السياسي المجزأ، الذي تهيمن عليه البُنى العشائرية، إلى بيئة يصعب فيها على الفاعلين الأجانب اكتساب الشرعية أو حتى ضمان الحد الأدنى من الأمن العملياتي. وتشير الدراسة إلى أن عناصر القاعدة وجدوا أنفسهم عالقين في صراعات محلية لا يفهمونها ولا يستطيعون التحكم فيها، معرضين للابتزاز والخيانة وتبدل التحالفات.
كما برز التباين الثقافي والديني كعامل حاسم. إذ اصطدمت الأيديولوجيا السلفية للقاعدة مع التقاليد الصوفية السائدة في المجتمع الصومالي. وبدلًا من كسب التأييد، عزز هذا التباين صورة التنظيم كعنصر دخيل—غريب ومفروض وغير منسجم مع القيم المحلية. وتوضح الدراسة أن جهود التجنيد فشلت إلى حد كبير لأن الأفراد لم يكونوا مستعدين للتخلي عن انتماءاتهم العشائرية، التي توفر لهم الحماية والهوية، لصالح تنظيم خارجي غير مضمون.
وزادت التحديات اللوجستية من تعقيد الوضع. فضعف البنية التحتية في الصومال جعل من الصعب للغاية الحفاظ على العمليات. إذ تطلب نقل الأفراد وتأمين الإمدادات والحفاظ على الاتصالات موارد تفوق بكثير ما توقعه التنظيم. وتظهر مراسلات داخلية حالة من الإحباط المتزايد، حيث وصف عناصر القاعدة تكاليف العمل في الصومال بأنها باهظة وغير مستدامة. وبذلك، تحولت سمات “الدولة الفاشلة”—من انعدام البنية التحتية وغياب السلطة المركزية إلى انتشار الفوضى—إلى عوائق بدلًا من أن تكون فرصًا.
في المقابل، قدمت كينيا نموذجًا مختلفًا تمامًا. فعلى الرغم من استقرارها النسبي مقارنة بالصومال، فإنها جسدت خصائص “الدولة الضعيفة”. فهي تمتلك مؤسسات قائمة وبنية تحتية، لكنها تفتقر إلى القدرة الكافية لفرض الأمن أو منع العمليات السرية. وقد منح هذا التوازن القاعدة ميزة نسبية، إذ تمكنت من الاستفادة من الشبكات اللوجستية والمراكز الحضرية، مع العمل تحت مستوى قدرة الدولة على الردع.
وتشير الدراسة إلى أن الساحل الكيني كان منطقة ذات أهمية خاصة، حيث ساهمت المظالم الاجتماعية والاقتصادية، وشعور بعض المجتمعات المسلمة بالتهميش، في خلق بيئة قابلة للاختراق. وفي الوقت نفسه، حدت قيود السيادة من قدرة القوى الخارجية على التدخل المباشر. هذا الواقع أتاح للقاعدة بناء شبكات لوجستية والتخطيط لعملياتها بحرية نسبية، وهو ما تجلى بوضوح في تفجير السفارة الأمريكية في نيروبي عام 1998.
وما يبرز من هذه المقارنة هو استنتاج نظري أوسع: الإرهاب لا يزدهر ببساطة في غياب النظام، بل يحتاج إلى توازن محدد بين الفوضى والوظيفية. فالانهيار الكامل يخلق قدرًا كبيرًا من عدم اليقين، بينما تفرض الدول القوية قيودًا صارمة. أما البيئة الأكثر ملاءمة فتقع في الوسط، حيث تكون الدولة ضعيفة لكنها لم تنهَر بالكامل.
كما تقدم الدراسة إطارًا تحليليًا أعمق من خلال النظر إلى التنظيمات الإرهابية كأنظمة معقدة تواجه قيودًا داخلية. فتنظيم القاعدة، كغيره من التنظيمات، كان مضطرًا للموازنة بين السيطرة والأمن، وبين الكفاءة والسرية، وبين التوسع والانضباط. فكلما زادت درجة التفويض، ارتفعت مخاطر الانكشاف، وكلما زادت السيطرة، تراجعت المرونة العملياتية. كما أن إدارة الموارد المالية واجهت معضلات مماثلة، إذ إن السعي لمنع سوء الاستخدام كان يتعارض أحيانًا مع متطلبات السرية.

