كينيا ( بوابة إفريقيا) 5 يناير 2026 يحتل نبات القات ( الميرا)المعروف علميًا باسم Catha edulis، والمستهلك على نطاق واسع في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، موقعًا فريدًا في المشهد الاقتصادي والثقافي والقانوني في كينيا.
ورغم أن القات يُزرع ويباع ويُصدَّر بحرية، بما في ذلك إلى أسواق رئيسية مثل الصومال، فإنه لا يزال مُدرجًا ضمن قانون المخدرات والمؤثرات العقلية، وهو أمر يثير حيرة المزارعين والتجار والمستهلكين على حد سواء.
ويعكس هذا التناقض صراعًا أعمق بين الاستخدام العرفي المتجذر، والفرص الاقتصادية، وأولويات الصحة العامة، والالتزامات التنظيمية الدولية.
محصول قانوني… ومادة خاضعة للرقابة
في كينيا، لم يُحظر القات بشكل كامل كما هو الحال مع القنب، ولا يُجرَّم زرعه أو بيعه أو استهلاكه بموجب القانون العام. بل إن هذا المحصول المنبّه معترف به ضمن قانون المحاصيل ولوائح خاصة تنظم إنتاجه وتسويقه وتصديره.
غير أن المركبات الفعالة التي يحتويها — الكاثينون والكاثين — مدرجة بوصفها مواد مؤثرة عقليًا بموجب قانون المخدرات. وتؤكد السلطات الكينية، ممثلة في الهيئة الوطنية لمكافحة تعاطي المخدرات (NACADA)، الإبقاء على هذه المواد ضمن قائمة المواد الخاضعة للرقابة، رغم ازدهار تجارة القات تجاريًا.
وقد خلق هذا الوضع منطقة قانونية رمادية تُثقل كاهل المنتجين والمصدّرين. إذ دعت رابطة مزارعي وتجار القات في نيامبيني مرارًا إلى شطب القات من جداول المخدرات، معتبرة أن تصنيفه الحالي يعيق تطوير القطاع، ويحد من الوصول إلى الأسواق، ويُلصق وصمة غير مبررة بمنتج متجذر ثقافيًا.
شريان اقتصادي لآلاف الأسر… خاصة مع الأسواق الاستهلاكية الكبرى
بالنسبة لملايين المزارعين الكينيين، لا سيما في أقاليم ميرو وإمبو وثاراكا–نيثي وأجزاء من وسط البلاد، لا يُعد القات مجرد محصول، بل مصدر رزق أساسي.
وتشير هيئة الزراعة والأغذية إلى أن مئات الآلاف من الأسر تعتمد على زراعة القات، إضافة إلى عشرات الآلاف من التجار وعمّال النقل الذين يشكلون سلسلة إمداد تمتد من الأسواق المحلية إلى الإقليمية والدولية.
وعلى الطرق السريعة الكينية، اعتاد السائقون مشاهدة شاحنات “بيك أب” مزدوجة الدفع، معدّلة خصيصًا لتحمل الطرق الوعرة، تشق طريقها بسرعة جنونية نحو المطار، متجاهلة في كثير من الأحيان قواعد السلامة المرورية.
السكان المحليون يعرفون القصة جيدًا. فعندما تتعرض إحدى هذه المركبات لحادث، غالبًا ما تكون أخرى على أهبة الاستعداد لنقل الحمولة ومواصلة الرحلة دون تأخير. وفي حال كان الضرر بسيطًا، تُتداول عبارة مألوفة على جانب الطريق: «سنتقابل لاحقًا ونتفق على التعويض». فالأولوية ليست للمركبة، بل للتسليم.
هذه القوافل السريعة لا تنقل بضائع عادية، بل تحمل القات و”المغوكا”، وهما محصولان تبدأ قيمتهما بالتراجع فور حصادهما. فالزمن، لا المسافة، هو العامل الحاسم في الربح.
في غضون ساعات قليلة، يجب أن تصل الشحنة إلى مطار جومو كينياتا الدولي في نيروبي، متجهة في المقام الأول إلى الصومال، حيث الطلب الأعلى والأسعار الأكثر ربحية.
أي تأخير يعني خسائر مالية، ما يدفع السائقين والتجار إلى سباق محموم مع الوقت — ومع القانون — وهو واقع حوّل أجزاء من الطرق السريعة الكينية إلى ممرات إمداد غير رسمية تحكمها العجلة لا اللوائح.
ورغم قانونية القات داخل كينيا، فإن طريقة نقله تحكي قصة مختلفة، تتشكل عند تقاطع الاقتصاد غير الرسمي، والمناطق الرمادية التنظيمية، والطلب العابر للحدود.
وتكشف هذه المشاهد اليومية حجم التجارة وضغوطها وتناقضاتها: تجارة معترف بها رسميًا في الداخل، ومثيرة للجدل خارجيًا، لكنها لا غنى عنها لآلاف الأسر.
ويُقدَّر أن هذا القطاع يدر مليارات الشيلنات سنويًا، فيما يُعد الصومال أكبر سوق تصدير، يليه عدد من أسواق الشرق الأوسط وأجزاء من إفريقيا.


