«كثرة الخيارات السياسية قد تؤدي أحياناً إلى ديمقراطية أقل، لا أكثر. وقد تشكل الانتخابات المقبلة في الصومال اختباراً لما إذا كان التاريخ يعيد نفسه.»- د. عبد الله على أمريكو
في عام 1968، كان في الصومال، بحسب ما يُروى، 64 حزباً سياسياً مسجلاً يتنافسون على 124 مقعداً في البرلمان. ومن الناحية النظرية، كان يمكن أن يمثل كل نائبين حزباً سياسياً مختلفاً. وأسفرت الانتخابات عن برلمان شديد التشتت ضم عدة أحزاب معارضة، لكن أياً منها لم يتمكن من تشكيل الحكومة. وانضمت لاحقاً العديد من الأحزاب الصغيرة إلى حزب رابطة الشباب الصومالي (SYL) الحاكم، مما رفع عدد مقاعده من 73 إلى 120 مقعداً من أصل 124 بحلول عام 1969.
ويرى بعض المؤرخين أن هذا التركيز للسلطة السياسية خلق انطباعاً بوجود ديمقراطية تقوم عملياً على حزب واحد. كما شهدت تلك الفترة اتهامات بالفساد داخل النظام السياسي، الأمر الذي ساهم في تصاعد حالة الاستياء الشعبي قبل الانقلاب العسكري الذي وقع في وقت لاحق من ذلك العام. وتمثل تلك المرحلة مثالاً تاريخياً لافتاً لما يمكن وصفه بـ«مفارقة الاختيار».
ومفارقة الاختيار هي نظرية نفسية طورها باري شوارتز. وببساطة، تفترض أن كثرة الخيارات لا تؤدي دائماً إلى قرارات أفضل، بل قد تربك الأفراد وتخلق لديهم حالة من عدم اليقين وإرهاق اتخاذ القرار، وما يسميه علماء النفس بـ«شلل التحليل». وفي السياسة، حيث يعد كل حزب بالإصلاح والازدهار وتحسين الحكم، قد يجد الناخبون صعوبة في التمييز بين البدائل المتنافسة. وعندما تصبح التوقعات غير واقعية وتبقى الوعود دون تنفيذ، غالباً ما تكون النتيجة خيبة الأمل.
وبعد ما يقرب من ستة عقود، يبدو أن الصومال يواجه وضعاً مشابهاً. فقد تم، بحسب التقارير، تسجيل أكثر من 100 حزب سياسي لدى اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات استعداداً للانتخابات المقبلة. وبينما قد يعكس العدد الكبير من الأحزاب انفتاحاً سياسياً ومشاركة ديمقراطية أوسع، فإنه قد يؤدي أيضاً إلى مزيد من التشظي ويجعل تشكيل التحالفات بعد الانتخابات أكثر تعقيداً.
ويميز شوارتز أيضاً بين نوعين من متخذي القرار: «الساعون إلى الخيار الأمثل» (Maximisers) و«المكتفون بما هو كافٍ» (Satisficers). فالأول يسعى إلى تحقيق أفضل نتيجة ممكنة، ويكون مستعداً لاستغلال كل ميزة متاحة لتحقيقها، بينما يقبل الثاني بنتيجة يراها جيدة بما يكفي.
ومن خلال هذا الإطار، يمكن القول إن الحزب الحاكم يحاول تعظيم مكاسبه السياسية قبل الانتخابات، في حين تبدو بعض أطراف المعارضة وكأنها تتحرك من موقع أضعف نسبياً. ومع ذلك، يبقى من غير المؤكد ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستنجح في نهاية المطاف. فبناء الزخم السياسي في وقت مبكر قد يستنزف طاقة ثمينة قبل المرحلة الحاسمة من الانتخابات، بينما قد يثبت المنافسون الذين يحتفظون بمواردهم أنهم أكثر صموداً عند لحظة الحسم.
وتستحضر هذه المعضلة الاستراتيجية نصيحة القائد العسكري الصيني القديم سون تزو الذي كتب: «لا تعتمد على أن العدو لن يأتي، بل اعتمد على جعل موقعك غير قابل للاختراق.»
ولطالما كانت السياسة الانتخابية في الصومال بعيدة عن التوقعات. فكما تشير نظرية الفوضى، يمكن لأحداث تبدو غير مترابطة، أو لتحالفات متغيرة، أو لتطورات غير متوقعة، أن تتفاعل معاً لتنتج نتائج سياسية دراماتيكية. وقد تصبح التغييرات الصغيرة في الحسابات السياسية، أو المزاج العام، أو مفاوضات التحالفات، عوامل حاسمة في يوم الاقتراع.

