“إن تكلفة هذا الجمود ليست مجردة أو نظرية. فهي تكلفة قابلة للقياس، ومتراكمة، ويتحملها بالفعل مواطنون لم يكن لهم أي دور في صناعة هذه الأزمة. احسموا هذه الأزمة، ليس فقط لأن الاقتصاد يفرض ذلك، وإن كان يفعل، بل لأن الشعب الصومالي دفع بالفعل أكثر مما ينبغي.” — عبد الفتاح أحمد حرسي
في 13 مايو 2026، أصدر البنك الدولي أحدث تقريره عن المستجدات الاقتصادية في الصومال. وجاءت نتائجه مقلقة؛ إذ تباطأ النمو الاقتصادي، وتوقف التقدم في الحد من الفقر، بينما تزايدت المخاطر.
وبعد يومين فقط، انهارت محادثات «حلني» بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة السياسية دون التوصل إلى اتفاق. ولم يكن هذا التزامن محض صدفة. فهذان التطوران لم يكونا حدثين منفصلين، بل فصلين من القصة نفسها.
أنا اقتصادي. أعمل بالبيانات والنتائج القابلة للقياس، وبالمنطق الهيكلي للعلاقة بين السبب والنتيجة. وما تكشفه الأدلة بصورة واضحة هو الآتي: إن الأزمة السياسية في الصومال ليست مجرد عامل يصرف الانتباه عن التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، بل هي التحدي الاقتصادي نفسه، أو على الأقل التحدي الأكثر قابلية للحل إذا توفرت الإرادة السياسية.
حقق الاقتصاد الصومالي نمواً يُقدَّر بنحو 3 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بـ4.1 في المائة في عام 2024. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يتراجع النمو إلى 2.6 في المائة فقط خلال عام 2026. وقد تبدو هذه الأرقام متواضعة، لكن آثارها عميقة إذا ما قورنت باحتياجات البلاد. فعدد سكان الصومال ينمو بمعدل يقارب 3 في المائة سنوياً.
إن اقتصاداً ينمو بنسبة 2.6 في المائة لا ينجح في تقليص الفقر، بل يتراجع إلى الخلف. فكل عُشر نقطة مئوية يُفقد من النمو يعني آلاف الأسر التي لا تتحسن مستويات معيشتها، وأطفالاً لا تتحسن أوضاعهم الغذائية، واستمرار الهشاشة الاقتصادية على حالها. ومع ذلك، تواصل الطبقة السياسية التفاوض — أو الفشل في التفاوض — بينما يخسر الاقتصاد بهدوء معدلات نمو لا يستطيع تحمل فقدانها.
هندسة عدم اليقين
الاستثمار، سواء كان خاصاً أم عاماً، محلياً أم أجنبياً، هو في جوهره رهان على المستقبل. وهو يتطلب قدراً معقولاً من الثقة بأن العقود ستُحترم، وأن اللوائح ستظل مستقرة وقابلة للتنبؤ، وأن المؤسسات ستواصل أداء وظائفها بدرجة من الاستقرار.
غير أن الجمود السياسي يقوض هذه الثقة، ليس عبر حدث دراماتيكي واحد، بل من خلال التآكل التدريجي لعناصر الاستقرار وقابلية التنبؤ. فعندما أعلنت المعارضة رسمياً أنها لم تعد تعترف بشرعية الحكومة عقب انتهاء الولاية الرئاسية، كانت الرسالة الموجهة إلى المستثمرين والشركاء التجاريين والمؤسسات الدولية واضحة تماماً: قواعد اللعبة في الصومال أصبحت محل نزاع من جديد.
ويميل القطاع الخاص، الذي لا يمتلك القدرة على تحمل فترات طويلة من عدم اليقين، إلى تعليق استثماراته تحديداً في الوقت الذي يكون فيه القطاع العام في أمسّ الحاجة إليها.
برنامج صندوق النقد الدولي وما هو على المحك
ثمة مصدر قلق أكثر إلحاحاً. فبرنامج «التسهيل الائتماني الممدد» (ECF) التابع لصندوق النقد الدولي لا يزال أحد أهم ركائز الاقتصاد الصومالي.
فبعد استكمال مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC) في ديسمبر 2023، انخفض الدين الخارجي للصومال من 5.3 مليار دولار إلى نحو 600 مليون دولار فقط، وهو إنجاز تحقق بفضل سنوات من الإصلاحات المؤسسية الصعبة.
ولا يوفر برنامج التسهيل الائتماني التمويل فحسب، بل يمنح أيضاً شهادة مصداقية تفتح الباب أمام دعم دولي أوسع. ويعتمد نجاحه على وجود حكومة فاعلة قادرة على الحفاظ على الانضباط المالي والتعامل البنّاء مع الشركاء الدوليين. والجمود السياسي لا يبطئ هذه العمليات فحسب، بل يهدد بتجميدها بالكامل.
وتشير التقارير الصادرة عن محادثات «حلني» إلى أن الشركاء الدوليين أعربوا بالفعل عن مخاوفهم بشأن استدامة المساعدات المالية إذا تفاقمت الأزمة. وهذه ليست مجرد لغة دبلوماسية، بل استجابة منطقية من جهات استثمرت سنوات من الجهد والموارد في دعم استقرار الصومال.

