«لم نختر أن نعيش في خيمة من البلاستيك»، تقول مريم علي، البالغة من العمر 67 عاماً، وهي تسترجع كيف أجبر الجفاف والجوع والعنف المسلح أسرتها على الفرار من منزلها الريفي. ومن خلال قصتها، يفتح المقال نافذة أوسع لفهم الكيفية التي أصبح بها تغيّر المناخ والصراع المسلح عاملين متداخلين يقودان موجات النزوح في مختلف أنحاء الصومال
تحت شمس الظهيرة الحارقة التي لا ترحم، وسط أرض قاحلة وجافة، تجلس مريم علي، البالغة من العمر 67 عاماً، أمام مأواها في أحد مخيمات النزوح في مقديشو. ولا يتجاوز منزلها كونه كوخاً هشاً شُيّد من الأغصان اليابسة، وقطع القماش البالية، وأكياس البلاستيك.
وبصفتها كبيرة الأسرة، تقضي مريم أيامها في محاولة إنقاذ حياة زوجها وأبنائها. فقد كانت أسرتها الزراعية تعيش في الماضي حياة هادئة مكتفية ذاتياً في الأرياف الصومالية، إلا أن تلك الأيام أصبحت مجرد ذكريات مؤلمة دفنتها قسوة الزمن.
وتقول مريم بصوت يخفي غضباً عميقاً: «لم نختر أن نعيش في خيمة من البلاستيك. في البداية انقطع المطر، ثم اشتدت حرارة الشمس، ونفقت مواشينا، وبعدها جاء رجال يحملون السلاح ليستولوا على طعامنا. اضطررنا إلى الفرار مع أطفالنا نحو الغابات هرباً من الموت».
ولم تكن أسرة مريم استثناءً، بل تمثل ملايين الصوماليين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين أزمتين متداخلتين: انهيار المناخ وتصاعد العنف المسلح، وهي الظاهرة التي باتت تُعرف بـ ترابط المناخ والصراع (Climate-Conflict Nexus).
الدم والمياه في المراعي الوسطى
أصبحت موجات النزوح في الصومال نتيجة مباشرة لتضافر عدة عوامل، أبرزها التقلبات المناخية الحادة، وتصاعد أعمال العنف المسلح، واستمرار ظاهرة الاحتباس الحراري.
ويبدأ ذلك بانهيار الاقتصاد الريفي القائم على الزراعة والرعي بسبب تغيّر المناخ، حيث تؤدي موجات الجفاف المتكررة التي تعقبها فيضانات مدمرة إلى تقويض أي فرصة لاستمرار النشاط الزراعي والرعوي.
ومع نفوق الماشية وتلف المحاصيل، يجد السكان أنفسهم في حالة من اليأس، وهو ما يتحول تدريجياً إلى صراعات محلية بين العشائر الرعوية حول الموارد المشتركة، وعلى رأسها المياه والمراعي.
وقد أصبحت هذه النزاعات أكثر حدة في مناطق وسط الصومال، حيث أدت المنافسة على الأراضي الرعوية المتناقصة إلى سقوط قتلى في العديد من المواجهات.
يعرف يوسف قنسار، وهو راعٍ بدوي من إقليم غلغدود، جيداً العواقب التي تخلّفها الصراعات المرتبطة بالبيئة. ويقول قنسار، وقد ارتسم الحزن على ملامحه:
«خلال فترات الجفاف لا يوجد قانون، بل هناك فقط البحث عن الماء. وحتى عندما يعود المطر وتنبت المراعي من جديد، فإن المخاطر لا تنتهي. إذ تتقاتل العشائر على حقوق الرعي في الأراضي التي استعادت خصوبتها. لقد اضطررت إلى دفن أفراد من عائلتي وجيراني الذين عرفتهم طوال حياتي، بعدما تحول خلاف بسيط على بئر ماء أو قطعة أرض إلى حرب بالأسلحة. فالطقس يسلبنا مواشينا، أما الصراعات فتسلبنا أبناءنا».
وتدرك الجماعات المسلحة، مثل حركة الشباب، جيداً كيفية استغلال هذا اليأس لمصلحتها. ففي المناطق التي دمرها الجفاف والانهيار البيئي، تستخدم هذه الجماعات ندرة الغذاء والمياه وسيلة للسيطرة على السكان، فتتحكم في توزيع المساعدات لإجبار المجتمعات على الخضوع لها، أو تقدم كميات محدودة من الغذاء للشباب العاطلين والجائعين لاستقطابهم إلى صفوفها.
وبالنسبة لعائلات مثل أسرة مريم، لم يكن أمامها سوى خيارين: إما الموت ببطء جوعاً، أو خسارة أبنائها بانضمامهم إلى الجماعات المسلحة.
أرقام المنظمات العاملة في الخطوط الأمامية تكشف حجم الأزمة
لا تقتصر معاناة النازحين في المخيمات التي تعصف بها الأتربة على الشهادات الإنسانية، بل تؤكدها أيضاً بيانات المنظمات الدولية المعنية برصد الأوضاع الإنسانية.
وتشير الإحصاءات إلى أن الكوارث المناخية وموجات الجفاف الطويلة أصبحت من أبرز أسباب النزوح في جنوب ووسط الصومال، إذ تعود 75% من حالات النزوح الجديدة إلى الكوارث المناخية والجفاف الممتد.
كما تُظهر بيانات منصة ReliefWeb أن 64% من النازحين داخلياً نزحوا بسبب الكوارث المناخية، بينما نزح 36% نتيجة النزاعات المسلحة وفرض الجماعات المسلحة إتاوات على السكان.
وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى نزوح نحو 3.3 ملايين شخص إلى تجمعات سكانية عشوائية حول مدن مقديشو وبيدوا وكيسمايو، الأمر الذي تسبب في انهيار خدمات المياه والصرف الصحي.
وفي إقليم مدغ، وحده، تسببت موجة الجفاف الأخيرة في نزوح أكثر من 21 ألف شخص إلى مدينة غالكعيو خلال أربعة أيام فقط، فيما تواصل مخيمات النازحين على أطراف مقديشو التوسع بصورة متسارعة.
ويفاقم الأزمة التراجع الحاد في التمويل الدولي، إذ تعاني خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في الصومال لعام 2026 من نقص كبير في التمويل، ما أجبر المنظمات الإنسانية على تقليص خدمات أساسية، مثل الغذاء والمياه والرعاية الصحية داخل المخيمات.
وتشير التقديرات التغذوية إلى أن نحو 1.84 مليون طفل دون سن الخامسة لا يزالون معرضين لخطر سوء التغذية الحاد، بينما تشهد المخيمات المكتظة تفشياً متكرراً للإسهال المائي الحاد ومرض الكوليرا.
البحث عن الكرامة
إن الانتقال من حياة ريفية مستقلة وكريمة إلى العيش لاجئاً في مخيم مكتظ بالنازحين يخلّف آثاراً عميقة على المستويين الإنساني والاجتماعي، ويجعل الأسر النازحة أكثر عرضة للهشاشة والمخاطر.

