«إن الأوطان لا تُبنى بالمواقف الآنية، ولا بالشعارات التي تشتعل ثم تنطفئ مع انتهاء الموسم السياسي. إنها تُبنى بتراكم الجهود الصغيرة، وبالصبر، وبالعمل اليومي، وبالقدرة على تقديم المصلحة الوطنية على الانتصارات الخطابية العابرة» – علي حلني
تكاد كل أزمة سياسية في الصومال تبدأ بالمشهد نفسه وتنتهي بالمشهد نفسه. فما إن تقترب الانتخابات، أو تتعثر المفاوضات، أو يتصاعد الخلاف بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة، حتى تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بفيض من الآراء والتحليلات والبيانات السياسية القادمة من خارج البلاد. تعود إلى الواجهة أسماء غابت عن النقاش العام لأشهر، وربما لسنوات، لتقدم نفسها باعتبارها صاحبة الرؤية الأوضح والحلول الأكثر حسمًا، وكأنها تتابع تفاصيل الحياة اليومية في الصومال لحظة بلحظة.
وخلال هذه الفترات، تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة للنقاش، وتزدحم البرامج التلفزيونية بالمحللين أنفسهم، وتنتشر المقالات والتعليقات التي تقدم وصفات جاهزة لإدارة الدولة، وتحدد ما ينبغي على القادة فعله، ومن يجب أن يفاوض، ومن يستحق التأييد أو الإدانة. ومع انتهاء الأزمة أو انحسار التوتر، يختفي كثير من هذه الأصوات بالسرعة نفسها التي ظهرت بها، إلى أن يحين الموسم السياسي التالي.
هذه الظاهرة لا تعكس مجرد اهتمام أبناء المهجر بالشأن الوطني، فذلك حق طبيعي لا يمكن إنكاره، بل تعكس نمطًا من الوطنية الموسمية؛ وطنية تشتد حرارةً عندما يصبح الصراع على السلطة في ذروته، لكنها تخفت عندما يتعلق الأمر بالعمل اليومي الهادئ الذي تحتاجه الدول لبناء مؤسساتها وتحسين خدماتها وتعزيز استقرارها. وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا يزداد الحضور الوطني لدى البعض مع اقتراب الانتخابات، بينما يتراجع الاهتمام عندما تكون الأولوية لإصلاح التعليم، أو تطوير القضاء، أو دعم الاقتصاد، أو بناء مؤسسات الدولة؟
من الخطأ اختزال هذا النقاش في معادلة بسيطة تضع الداخل في مواجهة الخارج، أو تعتبر أن كل رأي يصدر من المهجر فاقدًا للشرعية. فالجالية الصومالية في الخارج تمثل واحدة من أهم ركائز البلاد، ليس فقط بسبب التحويلات المالية التي تعيل ملايين الأسر، وإنما أيضًا لما قدمته من استثمارات وخبرات وكفاءات أسهمت في إعادة بناء مؤسسات الدولة والجامعات والمستشفيات، فضلاً عن عودة كثير من أبنائها لتولي مناصب عامة والمشاركة في عملية إعادة الإعمار بعد سنوات من الصراع.
ولهذا، فإن القضية ليست في حق الصوماليين المقيمين خارج البلاد في التعبير عن آرائهم أو المشاركة في النقاش الوطني، فهذا حق لا جدال فيه. إنما السؤال الحقيقي يتعلق بطبيعة هذه المشاركة، وبالحدود التي ينبغي أن تحكم الخطاب السياسي عندما يصدر عن أشخاص لم يعودوا يعيشون تفاصيل الواقع اليومي الذي يناقشونه، ولا يتحملون في الغالب النتائج المباشرة لما يدعون إليه.
ليست السياسة في الصومال نقاشًا نظريًا يُدار من خلف الشاشات، ولا مادةً للتحليل يمكن فصلها عن حياة الناس اليومية. فالخلافات الدستورية، والأزمات الانتخابية، والتجاذبات بين القوى السياسية، لا تبقى حبيسة قاعات التفاوض أو عناوين الأخبار، بل تنعكس مباشرة على أمن المواطنين، وحركة الأسواق، وفرص العمل، وانتظام الدراسة، وحرية التنقل، ومستوى الاستقرار الذي تعيشه المدن والقرى. ولهذا، فإن من يعيش داخل الصومال ينظر إلى الأزمة السياسية من زاوية تختلف بطبيعتها عن نظرة من يتابعها من الخارج.
فالمواطن الذي يخرج كل صباح إلى عمله، أو التاجر الذي يخشى إغلاق الطرق، أو الأسرة التي تقلق على سلامة أبنائها عند كل توتر سياسي، يدرك أن أي تصعيد قد يحمل ثمنًا حقيقيًا يدفعه الناس في حياتهم اليومية. أما من يتابع المشهد من لندن أو مينيابوليس أو أوسلو أو نيروبي، فإنه يرى الحدث من مسافة مختلفة، وهي مسافة تمنحه قدرًا أكبر من الهدوء، لكنها قد تحرمه في الوقت نفسه من الإحساس المباشر بكلفة القرارات والمواقف التي يدعو إليها.
ولا يعني ذلك أن البعد الجغرافي يُفقد الإنسان حقه في إبداء الرأي، أو يجعله أقل حرصًا على وطنه. فالوطنية ليست مرتبطة بمكان الإقامة، والانتماء لا تسقطه الحدود. لكن المسافة، مهما كانت، تفرض اختلافًا في زاوية الرؤية، ومن الطبيعي أن تستدعي قدرًا أكبر من التواضع في إصدار الأحكام، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الدستورية والأمنية والاجتماعية والسياسية.
غير أن ما يحدث في كثير من الأحيان هو العكس تمامًا. فمع كل أزمة انتخابية، ترتفع أصوات تقدم المشهد السياسي وكأنه معركة واضحة بين الخير والشر، أو بين الوطنيين والخونة، وتُختزل القضايا الدستورية المعقدة في شعارات بسيطة لا تحتمل النقاش. وتتحول المفاوضات إلى دليل على الضعف، والتسويات إلى مرادف للاستسلام، بينما يُنظر إلى أي محاولة للتوافق باعتبارها تنازلًا غير مقبول، رغم أن التجارب السياسية في الدول الخارجة من النزاعات تثبت أن التفاوض ليس علامة ضعف، بل أداة لا غنى عنها لمنع الانقسام وحماية الدولة.
والأخطر من ذلك أن بعض الدعوات إلى التصعيد أو الاحتجاج أو التشدد السياسي تصدر أحيانًا من أشخاص يعلمون أنهم لن يكونوا بين من يدفعون الثمن إذا خرجت الأمور عن السيطرة. فمن يعيش خارج البلاد قد يغلق هاتفه بعد انتهاء البث المباشر أو الحلقة التلفزيونية، لكن من يعيش داخل الصومال سيبقى هو من يواجه تبعات أي اضطراب أمني أو سياسي، وهو من سيتحمل آثار توقف الأعمال، وتعطل الخدمات، واتساع دائرة التوتر.
ومن هنا، لا يصبح السؤال: من يملك حق الكلام؟ بل: من يتحمل مسؤولية الكلمة؟ فحرية التعبير حق مكفول للجميع، لكن المسؤولية الأخلاقية تقتضي أن يكون الخطاب السياسي مدركًا لحجم تأثيره، وأن يوازن بين حق الاختلاف وواجب الحفاظ على الاستقرار، خصوصًا في بلد لا يزال يخوض واحدة من أكثر تجارب بناء الدولة تعقيدًا في القارة الإفريقية.
ولعل أكثر ما يكشف طبيعة هذه الظاهرة ليس مضمون الخطاب وحده، بل توقيته أيضًا. فالحماسة الوطنية التي تبلغ ذروتها مع كل أزمة سياسية تبدو أقل حضورًا عندما تنصرف الدولة إلى معاركها اليومية الأكثر أهمية، مثل إصلاح التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، وتعزيز استقلال القضاء، وتطوير الإدارة المحلية، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل للشباب. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا تتحول الوطنية لدى البعض إلى حالة استنفار موسمية مرتبطة بالصراع على السلطة، بدل أن تكون التزامًا دائمًا بمسار بناء الدولة؟
ليس المقصود من هذا السؤال التقليل من أهمية النقاش السياسي، فالسياسة تظل جزءًا أساسيًا من عملية بناء أي دولة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاهتمام بالشأن العام محصورًا في لحظات الاستقطاب، بينما يغيب عن القضايا التي تمس حياة المواطنين كل يوم. فالدول لا تُقاس فقط بطريقة انتقال السلطة، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء مؤسسات فاعلة، وتقديم خدمات أفضل، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ ثقافة المساءلة. وهذه الملفات لا تقل أهمية عن الانتخابات، بل ربما تفوقها أثرًا على مستقبل المجتمعات.

