«بعض المفكرين يشرحون العالم، وقلة منهم يغيّرون الطريقة التي ننظر بها إليه. كان إدغار موران من هذه القلة النادرة؛ رجلٌ أمضى أكثر من قرن وهو يطارد خيوط المعنى وسط فوضى التاريخ، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً يتجاوز حدود الزمن والجغرافيا»- على حلني.
لم يكن إدغار موران مجرد فيلسوف أو عالم اجتماع فرنسي، بل كان أحد أبرز المفكرين الذين حاولوا مساعدة البشرية على فهم عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. ففي زمن تتداخل فيه الحروب والأزمات الاقتصادية والكوارث البيئية والتغيرات الاجتماعية، رفض موران التفسيرات السهلة والأحكام الجاهزة، ودعا إلى النظر إلى الواقع بوصفه شبكة مترابطة من الأحداث والعلاقات لا مجموعة من الوقائع المنفصلة.
وبرحيل موران عن عمر ناهز 104 أعوام، (توفي في 29 مايو 2026) يفقد العالم واحداً من أهم الأصوات الفكرية التي سعت إلى بناء جسور بين العلوم والفلسفة والسياسة والثقافة. أما بالنسبة لأفريقيا، فإن أفكاره تكتسب أهمية خاصة في قارة تتقاطع فيها تحديات التنمية والحوكمة والأمن والهوية في مشهد معقد يصعب فهمه من خلال المقاربات التقليدية.
من المقاومة إلى الفكر
ولد إدغار ناحوم، الذي عُرف لاحقاً باسم إدغار موران، في باريس في 8 يوليو 1921 لعائلة يهودية من أصول يونانية. وخلال الحرب العالمية الثانية انخرط في صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، واختار اسم “موران” كاسم حركي لحماية هويته.
شكلت تلك التجربة المبكرة نظرته إلى العالم. فقد عاش في زمن شهد انهيار اليقينيات الكبرى وصعود الأيديولوجيات المتصارعة، وهو ما جعله يدرك مبكراً أن السياسة والأخلاق والهوية والتاريخ ليست قضايا منفصلة، بل عناصر مترابطة تؤثر بعضها في بعض.
بعد الحرب انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي وشارك في العمل الفكري والإعلامي داخله، لكنه سرعان ما اصطدم بجمود العقيدة الحزبية ورفض الخضوع للتفكير الأحادي. وفي عام 1951 طُرد من الحزب بسبب مواقفه النقدية، وهي تجربة ستدفعه لاحقاً إلى مراجعة عميقة للأفكار الأيديولوجية المغلقة.
وفي كتابه الشهير «النقد الذاتي» الصادر عام 1959، حاول فهم الأسباب التي تدفع المثقفين إلى الارتهان للأفكار المطلقة. ومن هنا بدأ مشروعه الفكري الأكبر: البحث عن طريقة لفهم العالم دون الوقوع في فخ التبسيط أو اليقين الزائف.
فلسفة التعقيد
ارتبط اسم موران بما عرف لاحقاً بـ«الفكر المركب» أو «فكر التعقيد». وكان جوهر هذه الفكرة بسيطاً في مظهره وعميقاً في مضمونه: لا يمكن فهم الواقع من خلال دراسة كل قضية بمعزل عن الأخرى.
فعندما ننظر إلى البطالة مثلاً، لا يمكن فصلها عن التعليم أو الاقتصاد أو التحولات الاجتماعية. وعندما ندرس التغير المناخي، لا يمكن تجاهل تأثيراته السياسية والاقتصادية والإنسانية. العالم، في نظر موران، عبارة عن منظومة مترابطة، وأي محاولة لفصل عناصرها تؤدي إلى فهم ناقص للواقع.
ولهذا انتقد الطريقة التقليدية التي تقسم المعرفة إلى تخصصات معزولة، معتبراً أن كثيراً من أزمات العصر ناتجة عن عجزنا عن رؤية الصورة الكاملة. وجسد هذه الرؤية في مشروعه الفكري الضخم «المنهج» الذي صدر في ستة أجزاء بين عامي 1977 و2006، ويعد من أهم أعماله وأكثرها تأثيراً في الفكر المعاصر.
عندما تلتقي الأزمات
قبل سنوات طويلة من انتشار مصطلح «الأزمات المتعددة» في الخطاب الدولي، كان موران يتحدث عن ترابط الأزمات العالمية وتأثير بعضها في بعض.
فالأزمة الاقتصادية قد تتحول إلى أزمة اجتماعية، وهذه بدورها قد تنتج اضطرابات سياسية، بينما تسهم الكوارث البيئية في تعقيد المشهد أكثر. ومن هنا رأى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في أزمة واحدة، بل في تفاعل الأزمات المختلفة داخل منظومة واحدة.
وقد بدت هذه الرؤية أكثر وضوحاً بعد جائحة كوفيد-19، حين اكتشف العالم كيف يمكن لحدث صحي أن يربك الاقتصاد والسياسة والتعليم والعلاقات الدولية في الوقت نفسه.

