«قبل أن تُطلق صافرة البداية، وجد كثيرون أنفسهم في مواجهة بوابات الهجرة لا ملاعب كرة القدم. وبين تأشيرات مرفوضة وإجراءات دخول معقدة، بدأ مونديال 2026 يكشف أزمة تتجاوز الرياضة لتلامس معنى الشمولية التي طالما تباهت بها كرة القدم العال».
كان من المفترض أن تمثل بطولة كأس العالم 2026 أكثر مراحل كرة القدم طموحاً حتى الآن؛ 48 منتخباً، وثلاث دول مضيفة، وبطولة جرى الترويج لها باعتبارها احتفالاً عالمياً بالوحدة.
لكن الأسبوع الماضي كشف عن حقيقة مقلقة للغاية.فبالنسبة للعديد من اللاعبين والمسؤولين والمشجعين القادمين من خارج مراكز النفوذ التقليدية في عالم كرة القدم، لم تبدأ البطولة بالحماس والترقب، بل بالاستجوابات ورفض التأشيرات وتأخر الوصول والتفتيشات المكثفة وحالة من عدم اليقين.
وسواء أراد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الاعتراف بذلك أم لا، فإن هذه الوقائع أضرت بالفعل بصورة البطولة.فقد وُضعت تأشيرة المهاجم السويسري بريل إمبولو قيد المراجعة، ما أدى إلى انضمامه المتأخر إلى منتخب بلاده.
وأصبح أحد أبرز لاعبي أوروبا عالقاً في متاهة بيروقراطية قبل انطلاق أكبر بطولة في مسيرته الرياضية.أما المهاجم العراقي أيمن حسين، فقد خضع للاستجواب لنحو سبع ساعات. ولم يكن ذلك مجرد إزعاج عابر قبل أكبر حدث رياضي في حياته، بل تجربة تطرح تساؤلات حول الجاهزية والتنسيق واحترام المشاركين.
كما أمضى المنتخب الإيراني أياماً في استكمال إجراءات التأشيرات داخل تركيا، مع تقارير تفيد بالسماح بالدخول فقط في أيام المباريات ورفض منح التأشيرات لخمسة عشر عضواً من الوفد. وبغض النظر عن الاعتبارات الجيوسياسية، فإن النتيجة العملية كانت واضحة: منتخب متأهل إلى كأس العالم لم يتمكن من التحضير للبطولة بصورة طبيعية.
أما الحكم الصومالي عمر عبد القادر عَرْتن، أفضل حكم إفريقي لعام 2025، فقد مُنع من دخول الولايات المتحدة رغم سفره بجواز سفر دبلوماسي.
لقد استحق مكانه بعد سنوات من التميز، لكنه استُبعد من قائمة حكام البطولة بعد إعادته من الحدود. ورغم أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم عيّنه لاحقاً لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي في سالزبورغ، فإن الضرر الذي لحق برسالة الشمولية التي يروج لها فيفا كان قد وقع بالفعل.
كما وصل وفد جنوب إفريقيا متأخراً بعد عدم حصول بعض أعضائه على التأشيرات في الوقت المناسب. وتُعد تعقيدات التنظيم تحدياً كافياً بحد ذاته، دون أن تضطر المنتخبات إلى التساؤل عما إذا كان جميع أفراد وفودها سيتمكنون أصلاً من دخول الدولة المضيفة.
وتعرض أفراد من الطاقم السنغالي لإجراءات تفتيش مطولة شملت خلع الأحذية، ما دفع بعضهم إلى اتهام السلطات بممارسات تمييزية. صحيح أن التفتيش الأمني جزء من السفر الحديث، لكن مشجعي كرة القدم يتساءلون عن أسباب خضوع بعض الوفود لإجراءات أكثر صرامة من غيرها.
كما خضع المنتخب الأوزبكي للتفتيش باستخدام كلاب كشف المتفجرات، وانتشرت المشاهد بسرعة حول العالم. وكانت الصورة بحد ذاتها مؤثرة؛ فالملايين رأوا فيها مشهداً مهيناً أكثر من كونه إجراءً روتينياً.
وفي الوقت نفسه، أُلغيت تصاريح السفر الإلكترونية الخاصة بمشجعين إسكتلنديين قبل أيام من سفرهم، فيما رُفضت تأشيرات مشجعين آخرين بعد أن دفعوا بالفعل ثمن التذاكر والإقامة.
وبالنسبة للمشجع العادي، فإن كأس العالم ليس مجرد بطولة رياضية، بل فرصة قد لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر. وكثيرون خسروا أموالهم قبل أن تبدأ البطولة فعلياً.
ليست قضية أمريكية فقط
قد يكون من السهل اختزال القضية في نقاش حول سياسات الهجرة الأمريكية، لكن ذلك يتجاهل جوهر المشكلة. فالسؤال الحقيقي هو: كيف منح فيفا تنظيم أكبر حدث رياضي في العالم لبيئة مضيفة قد يواجه فيها هذا العدد من المشاركين والمشجعين عقبات غير متوقعة للدخول؟
لقد كان فيفا يدرك مسبقاً أن الولايات المتحدة تطبق قواعد تأشيرات صارمة وإجراءات أمنية معقدة ونظام هجرة شديد التعقيد.ولم يكن أي من ذلك أمراً جديداً. ومع ذلك، روّج الاتحاد للبطولة باعتبارها احتفالاً عالمياً مفتوحاً للجميع، وكأنه افترض أن التحديات العملية ستحل نفسها بنفسها.
ويبدو هذا الافتراض اليوم أقرب إلى التهور. فالدولة المضيفة لكأس العالم لا توفر الملاعب والفنادق فقط، بل تتعهد أيضاً باستقبال العالم. وإذا لم يتمكن اللاعبون والحكام والمسؤولون والمشجعون من دخول الدولة المضيفة بشكل موثوق، فإن الوعد الأساسي للبطولة يبدأ في التآكل.
قضية عمر عَرْتن الأكثر إضراراً
تحظى قصة عمر أرتان باهتمام واسع لأنها تضرب في صميم الرواية المفضلة لكرة القدم: الاستحقاق والجدارة. فهذا الحكم الصومالي شق طريقه عبر بطولات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وأصبح أفضل حكم في القارة، ثم نال حقه في الوجود بكأس العالم بفضل كفاءته.
وبالنسبة لكثير من الأفارقة، مثل اختياره حدثاً تاريخياً يثبت أن الموهبة القادمة من بلد ارتبط طويلاً بالصراع والمعاناة قادرة على الوصول إلى أعلى المستويات.

