ليست المشكلة دائمًا في أن العالم لم يفهم الصومال، بل في أننا أيضًا لم نفهم كيف يرانا العالم ولماذا يرانا كذلك.بقلم: علي حلني مع اقتراب انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة الانتقالية للمساعدة في الصومال (UNTMIS) المقرر في 31 أكتوبر 2026، تُطوى صفحة مهمة من تاريخ العلاقة بين الدولة الصومالية والمنظمة الدولية، بعد عقود من الحضور السياسي الأممي الذي رافق مراحل انهيار الدولة وإعادة بناء مؤسساتها. ورغم أن إغلاق البعثة لا يعني انتهاء وجود الأمم المتحدة في البلاد، فإنه يمثل تحولًا يستحق التوقف عنده، ليس فقط لتقييم ما تحقق وما تعثر، بل لطرح سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الطرفين. فخلال هذه السنوات الطويلة، هل فهم موظفو الأمم المتحدة ومستشاروها المجتمع الصومالي الذي جاؤوا لمساعدته، بتاريخه وثقافته وتعقيداته الاجتماعية والسياسية؟ وفي المقابل، هل فهم الصوماليون طبيعة المنظمة الدولية التي تعاملوا معها، وحدود صلاحياتها والاعتبارات التي تحكم قراراتها؟ أم أن الطرفين ظلا، بدرجات متفاوتة، أسيرين لصور ذهنية وتصورات مسبقة عن بعضهما بعضًا؟ خلال لقاءات جمعتني - على مدى سنوات - بمسؤولين ومستشارين عملوا في مكاتب الأمم المتحدة بالصومال، استوقفتني ملاحظة تكررت على ألسنة عدد منهم، وإن اختلفت تعبيراتهم عنها. فقد جاءوا إلى البلاد لأداء مهام مهنية محددة، مسلحين بتقارير وملفات ومعلومات عن أوضاعها السياسية والأمنية والاجتماعية، لكنهم اكتشفوا، مع مرور الوقت، أن معرفتهم بالمجتمع الصومالي كانت أقل مما تصوروا. وكان بعضهم يفاجأ، كلما أتيحت له فرصة الاحتكاك المباشر بالمواطنين، بجوانب من الواقع لا تنسجم تمامًا مع الصورة التي تشكلت لديه من خلال الوثائق والاجتماعات الرسمية.ولا أتعامل مع هذه الملاحظات باعتبارها دليلًا على إخفاق الأمم المتحدة، أو حكمًا يمكن تعميمه على جميع موظفيها، وإنما بوصفها مدخلًا لفهم إشكالية أوسع: كيف تتشكل المعرفة المتبادلة بين مجتمع يعيش تحولات استثنائية ومؤسسات دولية جاءت لمساعدته؟ وكيف يمكن أن تتراكم المعلومات والخبرات طوال عقود، بينما تظل المسافة بين المعرفة المؤسسية والفهم الاجتماعي قائمة؟ الصومال خارج صورة الأزمة الدائمةمنذ انهيار الحكم المركزي عام 1991، أصبح الصومال حاضرًا في الخطاب الدولي من خلال مجموعة محدودة من الصور: المجاعة، والفوضى، والحروب القبلية، والقرصنة، والإرهاب، وضعف المؤسسات. وهذه ليست أحداثًا متخيلة، بل وقائع مؤلمة عرفتها البلاد، لكن تكرارها بوصفها السمات الأساسية للمجتمع الصومالي أدى إلى اختزال بلد كامل في أزماته.فالصومال ليس مجرد دولة انهارت مؤسساتها، وإنما مجتمع يمتلك تاريخًا طويلًا من التنظيم الاجتماعي والتجارة والتواصل الثقافي، واستطاع الحفاظ على جانب كبير من تماسكه رغم غياب السلطة المركزية الفاعلة لفترات طويلة. وقد أظهر الصوماليون قدرة على إنشاء شبكات مالية وتجارية وتعليمية واجتماعية تجاوزت حدود الدولة، وربطت الداخل بجاليات واسعة في الخارج.والصومالي، في تقديري، يحمل دولته في قلبه وذاكرته ووجدانه، حتى عندما يختلف مع مواطنيه حول شكلها ونظامها السياسي. لكن هذا الشعور الوطني لا يلغي الانقسامات الحقيقية أو الخلافات بشأن السلطة والموارد والتمثيل. فالوحدة الثقافية لا تعني بالضرورة وحدة المواقف السياسية.وهنا تكمن إحدى مشكلات القراءة الخارجية: المبالغة في تفسير الصومال من خلال انقساماته، مقابل إغفال العناصر التاريخية والثقافية التي تجمع مجتمعه. هوية لا تستوعبها التصنيفات الجاهزةتزداد صعوبة فهم الصومال عندما يُنظر إليه من خلال التصنيفات الجغرافية والثقافية التقليدية. فالصومالي ليس عربيًا خالصًا، ولا يمكن اختزال هويته في انتمائه الإفريقي وحده. إنه إفريقي في جغرافيته، ومرتبط بالعالم العربي والإسلامي في جوانب من تاريخه وثقافته، وصومالي في لغته وذاكرته وتقاليده الاجتماعية. ولا تمثل هذه الانتماءات تناقضًا بالضرورة، بل تتداخل في تكوين هوية خاصة يصعب فهمها إذا جرى التعامل معها بوصفها امتدادًا بسيطًا لهوية أخرى.وقد اعتادت المؤسسات الدولية، بحكم طبيعة عملها، تصنيف المجتمعات وفق أطر جغرافية وسياسية وإدارية تسهل المقارنة ووضع البرامج. وهذه ضرورة عملية مفهومة، لكنها قد تصبح مشكلة عندما تتحول أدوات التصنيف إلى بديل عن فهم الخصوصية التاريخية والثقافية. فالمجتمع الصومالي لا يمكن تفسيره بالكامل من خلال مفهوم القبيلة، مثلما لا يمكن فهمه من خلال انتمائه العربي أو الإفريقي أو الإسلامي منفردًا. إنه نتاج تفاعل هذه العناصر وغيرها، بما تحمله من توافقات وتوترات وتحولات مستمرة.معرفة واسعة وفهم غير مكتمللا يصح القول إن الأمم المتحدة تفتقر إلى المعرفة بالصومال. فقد راكمت مؤسساتها خلال عقود قدرًا كبيرًا من الدراسات والتقارير والخبرات المتعلقة بالبلاد، وأسهم باحثون وموظفون صوماليون ودوليون في إنتاج معرفة مهمة بأوضاعها. لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة اكتمال الفهم. فالمعرفة التي تنتجها المؤسسات الدولية تمر غالبًا عبر ثلاث دوائر: التقارير والدراسات المكتبية، والمعلومات التي يقدمها المسؤولون والوسطاء المحليون، والتواصل المباشر مع المجتمع. والمشكلة تظهر عندما تتسع الدائرتان الأوليان على حساب الثالثة.وقد ساهمت الظروف الأمنية، وأنظمة حماية الموظفين، وطبيعة المهام، والتنقل المستمر بين المكاتب الدولية، في الحد من فرص الاحتكاك الاجتماعي المباشر لدى كثير من العاملين. وهكذا قد يعرف الموظف تفاصيل دقيقة عن النظام السياسي أو المؤشرات الإنسانية، لكنه يظل بعيدًا عن الحياة اليومية التي تمنح تلك المعلومات معناها الاجتماعي. وليست المشكلة إذن أن الصومال مجتمع مجهول، بل أن الأصوات التي تصل إلى المؤسسات الدولية قد لا تعكس دائمًا تنوع المجتمع الذي تتحدث باسمه.الوسطاء المحليون بين مجتمعَيناعتمدت المؤسسات الدولية بدرجات متفاوتة على موظفين ومستشارين ومترجمين وخبراء صوماليين، بينهم عدد كبير من العائدين من المهجر بعد سنوات طويلة من الإقامة والدراسة والعمل في ال...