تكتسب المحاكمات العسكرية طبيعة خاصة تميزها عن القضاء المدني، إذ لا تقتصر فيها العدالة على تطبيق النصوص القانونية فحسب، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهرمية الانضباط والضبط والربط العسكري. وفي قلب هذا البناء المتميز، تبرز قاعدة جوهرية تحكم عمل المحاكم العسكرية، تتمثل في وجوب تنحي القاضي العسكري عن نظر القضية إذا كان المتهم أعلى منه رتبة أو أقدمية.وليست هذه القاعدة مجرد إجراء روتيني، بل تمثل حجر الزاوية في ضمان الحيدة والاستقلال؛ إذ يُحظر على الضابط الأدنى رتبة أن يمارس سلطة قضائية على من هو أعلى منه في التسلسل العسكري، صونًا لمكانة الرتبة العسكرية، وتجنبًا لأي حرج نفسي أو تأثير قد يمس استقلال القرار القضائي. وحين يُقدَّم ضابط للمحاكمة، يوجب القانون إحالة ملفه إلى دائرة يُراعى في تشكيلها أن يكون قضاتها مساوين للمتهم في الرتبة أو أعلى منه رتبة وأقدمية.تتجلى هذه الهرمية الصارمة في كيفية تشكيل درجات المحاكم العسكرية. ففي النموذج المصري، القائم على أربع درجات للتقاضي، تنطلق المحكمة العسكرية للجنح بقاضٍ واحد لا تقل رتبته عن رائد، وترتقي المحكمة المستأنفة ليرأسها مقدم، وصولًا إلى محكمة الجنايات التي يرأسها عقيد، والمحكمة العليا للطعون التي تتشكل من خمسة قضاة برئاسة ضابط برتبة مقدم على الأقل، مع اشتراط حضور ممثل النيابة العسكرية في جميع الجلسات، وإلا كانت المحاكمة باطلة.وفي المقابل، يأخذ النظام العُماني بنظام درجات التقاضي الثلاث: المحكمة الابتدائية للمخالفات والجنح، ومحكمة الاستئناف، والمحكمة العليا للطعون القانونية، بينما يتجه المنظور الصومالي نحو إعادة هيكلة درجات القضاء العسكري لترسيخ هذه المبادئ التنظيمية بصورة أكثر دقة.ولا تقتصر خصوصية القضاء العسكري على التشكيل والرتب، بل تمتد لتشمل تحديد الأشخاص الخاضعين لأحكام القانون العسكري. فبينما يشمل القضاء العسكري بطبيعته ضباط القوات المسلحة وأفرادها، وطلبة المعاهد والكليات العسكرية، وأسرى الحرب، يمتد نطاقه ليشمل المتطوعين وقوات الاحتياط بمجرد استدعائهم للخدمة.بل إن هذا الخضوع يتسع في حالات الخدمة الميدانية ليشمل المدنيين الملحقين بالعسكريين، سواء العاملين في أجهزة الدفاع أو في خدمة القوات المسلحة. ويستمر خضوع الجنود والملحقين بهم للقضاء العسكري حتى بعد انتهاء خدمتهم، بالنسبة إلى الجرائم التي ارتُكبت أثناءها.وتتسع هذه الولاية في فترات النزاعات المسلحة، كما في التجربة الصومالية التي امتد فيها الاختصاص الميداني إلى مناطق الحرب والمليشيات والقوات الشعبية المساندة للجيش، مثل قوات «المعويسلي» (Macaawisley)، أثناء قتالها إلى جانب القوات النظامية.غير أن فاعلية هذا القضاء واستقلاله يظلان مرهونين بطبيعة التبعية وضمانات الحماية الممنوحة للقضاة. ففي الوقت الذي تعود فيه سلطة التعيين إلى رئيس الدولة أو السلطان أو القيادات العسكرية العليا، كنائب قائد القوات المسلحة أو وزير الدفاع، تتباين التشريعات في توفير الحصانات اللازمة.إذ يتمتع القضاة العسكريون في مصر وعُمان بضمانات صريحة ضد العزل المباشر، حمايةً لاستقلالهم الفني أثناء أداء مهامهم، بينما لا ينص التشريع الصومالي الحالي صراحةً على هذه الضمانة، مما يجعله في حاجة إلى التحديث. وهو ما تنبّه إليه الدستور الصومالي الجديد لعام 2026، الذي أشار إلى ضرورة وضع تشريع عسكري حديث يواكب التطورات الدستورية والميدانية.وخلاصة القول، إن القضاء العسكري، رغم صرامته وسرعة إجراءاته، يظل محكومًا بضوابط دقيقة توازن بين هيبة الرتبة العسكرية وحياد العدالة. وتشكل قاعدة تنحي القاضي أمام من هو أعلى منه رتبة ضمانة تؤكد أن الانضباط العسكري لا يتصادم مع حيدة القضاء، بل يعززها.ومع توجه الدول نحو تحديث تشريعاتها العسكرية، وتنظيم وضع القوات المساندة، وتوفير ضمانات عدم العزل للقضاة، يستمر القضاء العسكري في أداء دوره المحوري بوصفه ركيزة لحماية الأمن القومي وصون المنظومة العسكرية.⸻نبذة عن الكاتب:*إسماعيل عبد القادر إيدلي، محامٍ مرخص، خريج كلية الشريعة والقانون، وحاصل على درجة الماجستير في القضاء والسياسة الشرعية.** الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر منصة «بوابة إفريقيا».