«لا يمكن اتخاذ المعاناة من عنف الأنظمة الاستبدادية مبررا للانفصال، ثم استخدام القوة في الوقت نفسه لحرمان الآخرين من حق الاختيار ذاته». مشرّف عبد الله رشيدكلما التقيت شخصا من إقليم «أرض الصومال»، أطرح عليه سؤالا واحدا بدافع فضول فكري حقيقي: هل تستطيع أن تقدم حججا منطقية ومتسقة تثبت حق الإقليم في الاستقلال والانفصال عن الصومال؟تبدأ الإجابة في معظم الأحيان من أحداث عام 1988، حين ارتكب نظام استبدادي فظائع بحق المدنيين في شمال الصومال. ولا شك أن تلك الأحداث تمثل فصلا مأساويا من التاريخ الصومالي، لا يمكن إنكاره أو التشكيك فيه.لكن ثمة سؤالا لا يمكن تجاوزه: هل تكفي المعاناة في ظل نظام استبدادي، بحد ذاتها، لتبرير الانفصال عن دولة قائمة، باعتبار ذلك مبدأ عاما ينطبق على الجميع؟ أم أن هذا المعيار يستخدم بصورة انتقائية؟لو سلمنا بهذا المبدأ، لما كانت «أرض الصومال» حالة استثنائية. فقد تعرضت مناطق عديدة في أنحاء الصومال لاستهداف مباشر من النظام نفسه. ووفقا لهذا المنطق، فإن تلك المناطق تمتلك أيضا المبررات الأخلاقية والسياسية ذاتها للمطالبة بالانفصال.وتزداد هذه الحجة ضعفا حين نقارنها بممارسات سلطة «أرض الصومال» نفسها. ففي شمال شرق الصومال، استخدمت القوة المسلحة ضد مجتمعات رفضت الانفصال وأصرت على البقاء ضمن صومال موحد. وتعرضت مدن للقصف، وقتل مدنيون، وفرضت إرادة سياسية بالقوة بدلا من احترام خيارات السكان.وحتى في شمال غرب الصومال، ظلت منطقة «أودل» منذ زمن طويل معقلا لمعارضة المشروع الانفصالي، حيث عبرت مجتمعات محلية عن رغبتها في البقاء ضمن الدولة الصومالية. والمفارقة أن مظالم أودل تعود هي الأخرى إلى النظام الاستبدادي نفسه الذي تستند قيادة «أرض الصومال» إلى ممارساته لتبرير الانفصال.فإذا كانت المعاناة في عهد سياد بري تمنح جماعة معينة حق الانفصال، فمن المنطقي أن تمنح الحق ذاته للجماعات الأخرى، بما فيها تلك التي تعيش داخل الحدود التي تطالب بها «أرض الصومال».وهنا يتجلى تناقض أخلاقي جوهري. فلا يستقيم أن تتخذ جماعة من معاناتها تحت حكم استبدادي مبررا للانفصال، ثم تلجأ إلى القوة لحرمان غيرها من حق الاختيار نفسه. فإذا كان الإكراه ينزع الشرعية عن الوحدة، فإنه ينزعها أيضا عن الانفصال. وما كان مدانا في الماضي لا يصبح مشروعا لمجرد أن من يمارسه اليوم طرف آخر.أما القول إن كل جماعة عانت في ظل دولة ما ينبغي أن تسعى إلى الانفصال، فهو طرح لا يفتقر إلى المنطق فحسب، بل يتعارض أيضا مع دروس التاريخ. ولو طبق هذا المبدأ على جميع الحالات، لأصبحت وحدة أراضي كثير من الدول الحديثة مهددة. فقد شهدت سوريا ورواندا وإثيوبيا، بل حتى الولايات المتحدة، صراعات طرحت أسئلة عميقة بشأن الوحدة الوطنية. ففي الحرب الأهلية الأمريكية وحدها، سقط مئات الآلاف من القتلى بعدما تحولت حركة انفصالية قامت على الدفاع عن العبودية إلى صراع مسلح. وانتهت الحرب بالحفاظ على الاتحاد، لا بالاعتراف بحق الولايات الكونفدرالية في الاستقلال.وحين تفقد هذه الحجة قوتها، ينتقل المدافعون عن الانفصال غالبا إلى طرح آخر، مفاده أن جنوب الصومال عانى عقودا من الإرهاب وفشل الحكم، وأنه لن يعرف الاستقرار أبدا، مما يجعل الانفصال ضرورة تفرضها الحسابات العقلانية. غير أن هذا الطرح أيضا لا يصمد أمام التمحيص.لقد أتيحت لشمال الصومال فرصة استثنائية بعد عام 1991. وكان بوسع هرغيسا أن تصبح المركز السياسي لإعادة بناء الدولة الصومالية، وأن تستضيف جهود المصالحة الوطنية، وتقود بلدا مزقته الصراعات، مستفيدة من حالة الاستقرار النسبي التي تمتعت بها.وكان يمكن أن يتدفق إليها من تمويل دولي واستثمارات في البنية التحتية وكفاءات بشرية ونفوذ سياسي أن يحدث تحولا جذريا في مستقبلها. لكن بدلا من ذلك، مضت أكثر من ثلاثة عقود في الإصرار على الانفصال عن الوطن.وفي المقابل، استطاعت مقديشو، رغم ما شهدته من اضطرابات أمنية طوال عقود، أن تصبح مركزا أكبر اقتصاديا وعمرانيا وسكانيا. فالاستقرار وحده لا يصنع الازدهار، بل إن الخيارات السياسية والاستراتيجية هي التي تحدد كيفية الاستفادة منه.وكان بإمكان هرغيسا أن تحقق لسكانها مكاسب أكبر بكثير لو وظفت استقرارها النسبي في إطار مشروع وطني جامع، بدلا من توجيهه نحو مشروع انفصالي لم يتمكن، بعد أكثر من ثلاثة عقود، من الحصول على اعتراف دولي واسع أو تحقيق أمن دائم.ولنتخيل مسارا مختلفا: ماذا لو استضافت هرغيسا مؤتمر عرتا عام 2000، ومحادثات السلام في إمبغاتي بين عامي 2002 و2004، وأصبحت مركزا لإعادة بناء الدولة الصومالية، ودخلت المنافسة على قيادة البلاد؟ ثم لنتأمل ما كان يمكن أن تفضي إليه تلك الاستراتيجية، مقارنة بالواقع الحالي الذي يجد فيه الإقليم نفسه منخرطا على نحو متزايد في صراعات إقليمية وتشابكات سياسية تفوق قدرته على إدارتها.لقد أظهرت طبيعة النظام الدولي، بصورة متزايدة، أن الدول ذات الأغلبية المسلمة غالبا ما ينظر إليها من زاوية سياسية مختلفة في حسابات القوى العالمية. وفي مثل هذا السياق، لا تكون الوحدة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية مجرد حلم عاطفي، بل ضرورة تفرضها متطلبات البقاء.ومن هذا المنطلق، فإن سعي كيان سياسي تشكلت توجهاته بفعل مصالح عشائرية إلى الخروج من الإطار الصومالي، والتحالف مع إثيوبيا، الخصم الإقليمي التاريخي للصومال، ومع إسرائيل، لا يمكن وصفه بالواقعية السياسية، بل هو تهور استراتيجي.وتجسد مذكرة التفاهم التي وقعتها أديس أبابا وهرغيسا في يناير 2024، والتي تمنح إثيوبيا منفذا إلى الساحل الصومالي مقابل احتمال الاعتراف بالإقليم، أوضح صور سوء التقدير هذا. فقد حولت قضية كانت في الأصل خلافا سياسيا داخليا بين الصوماليين إلى تحد مباشر لسيادة الصومال على أراضيه، وأدخلت مصر وتركيا وإريتريا وجامعة الدول العربية على خط الأزمة، ووضعت هرغيسا في قلب تنافسات إقليمية تتجاوز حجمها وقدرتها على التأثير فيها.وفي الوقت نفسه، يشهد الوضع الأمني في الصومال تحولات ملحوظة. فكل من عاش في مقديشو قبل عشر سنوات ثم عاد إليها اليوم يستط...