على هامش منتدى الاستثمار للكوميسا في نيروبي، تبدو الرسالة الموجهة لوكالات ترويج الاستثمار في السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا واضحة لا لبس فيها: المنافسة على رأس المال لن تُحسم داخل قاعات المؤتمرات، بل في الكفاءة الهادئة لمؤسسات قادرة على تحويل النوايا إلى واقع. ففي عالم يُفضّل فيه المستثمرون اليقين على الجاذبية، سيتحدد نجاح المنطقة ليس بما تعد به، بل بما تثبته—مشروعًا بعد مشروع، وتصريحًا بعد تصريح، وإنجازًا بعد إنجاز.
لم يعد رأس المال العالمي سهل الإقناع. تشير أحدث التوقعات للاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2026 إلى عالم تتحرك فيه الأموال بحذر أكبر، وبانتقائية أعلى، وبمنهجية أكثر استراتيجية. قد توحي الأرقام العامة بوجود تعافٍ، لكن الواقع الأعمق أكثر تحفظًا: المستثمرون لا ينسحبون، لكن إقناعهم أصبح أصعب.
بالنسبة لوكالات ترويج الاستثمار في الكوميسا، يمثل هذا التحول نقطة فاصلة. ومع اجتماع المسؤولين في نيروبي لحضور منتدى الاستثمار، لم يعد الهدف مجرد جذب الانتباه. الحوافز التي كانت في صلب استراتيجيات الاستثمار بدأت تفقد بريقها. الإعفاءات الضريبية والحملات الترويجية لا تزال مهمة، لكنها لم تعد كافية. المستثمرون يبحثون اليوم عن الصمود، والجاهزية، والتنفيذ الموثوق. لم يعد السؤال من يجذب الانتباه، بل من يستطيع تحويل الاهتمام إلى مشاريع قائمة بالفعل.
هذا التحول يعكس مناخًا عالميًا أكثر صعوبة. التوترات الجيوسياسية تواصل تعطيل طرق التجارة وتفكيك سلاسل الإمداد. النمو الاقتصادي لا يزال محدودًا، ورأس المال يتركز بشكل متزايد في الأسواق التي تُعد مستقرة وقابلة للتنبؤ. كثير من الارتفاع الأخير في الاستثمار الأجنبي المباشر كان مدفوعًا بتدفقات مالية عبر مراكز عالمية، لا بإنشاء مصانع جديدة أو بنى تحتية. الاستثمار الإنتاجي—الذي يخلق الوظائف ويبني الصناعات—أصبح أكثر صعوبة في تأمينه.
في هذا السياق، يطرح المستثمرون أسئلة أبسط وأكثر صرامة: هل يمكن تنفيذ المشاريع في الوقت المحدد؟ هل المؤسسات موثوقة؟ هل يمكن إدارة المخاطر دون تأخيرات مكلفة؟ لا يمكن للحوافز أن تعوض ضعف التنفيذ. فالإعفاء الضريبي لا قيمة له إذا كان الحصول على الأرض غير مؤكد أو تستغرق التصاريح سنوات.
وهنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ”جاهزية الاستثمار”. عبر دول الكوميسا، الفرص متاحة بكثرة: عجز الطاقة يفتح المجال للاستثمارات في الكهرباء، والإمكانات الزراعية تدعم الصناعات الزراعية، والموقع الاستراتيجي يعزز الخدمات اللوجستية والتجارة. لكن غالبًا ما تبقى هذه الفرص في إطار نظري. المشاريع تفتقر إلى دراسات جدوى، والمسارات التنظيمية غير واضحة، والمسؤوليات المؤسسية متداخلة. النتيجة نمط مألوف—اهتمام استثماري قوي يتلاشى قبل التنفيذ.
لذلك، تتحول مهمة وكالات ترويج الاستثمار من الترويج إلى الإعداد. لا يزال تسويق الفرص ضروريًا، لكنه لم يعد القيد الرئيسي. الأهم هو القدرة على تقديم مشاريع قابلة للتمويل ومهيكلة بشكل جيد. المستثمرون لا يبحثون عن اكتشاف الفرص، بل عن توظيف رأس المال بكفاءة. وهذا يتطلب وضوحًا في العوائد والمخاطر والجداول الزمنية.
وهذا بدوره يفرض دورًا أكثر استباقية على الوكالات. فبدلاً من انتظار اهتمام المستثمرين، ينبغي عليها بناء قوائم من المشاريع الجاهزة للاستثمار، بما يشمل إعداد دراسات الجدوى، وتأمين الأراضي مسبقًا، وحل التعقيدات التنظيمية قبل بدء التفاعل. هذا عمل شاق وأقل بروزًا من المؤتمرات والجولات الترويجية، لكنه أكثر حسمًا. ففي سوق عالمي تنافسي، غالبًا ما تحدد الجاهزية النتائج.
كما أن التنسيق لا يقل أهمية. المستثمرون غالبًا ما يواجهون بيئات مؤسسية مجزأة، حيث تتقاسم عدة جهات صلاحيات الموافقة. داخل الكوميسا، يكون هذا التشتت أكثر حدة بسبب اختلاف الأنظمة الوطنية والأطر التنظيمية والقدرات الإدارية. دون تنسيق، حتى المشاريع المصممة جيدًا قد تتعثر.
لذلك، يجب أن تتحول وكالات الترويج إلى منسّقين لا مجرد وسطاء. نظام “النافذة الواحدة” الحقيقي—حيث يتعامل المستثمر مع منصة منسقة واحدة بدل جهات متعددة—يمكن أن يقلل بشكل كبير من التأخير وعدم اليقين. تحقيق ذلك يتطلب دعمًا سياسيًا وانضباطًا إداريًا، لكن العائد كبير. فالمستثمرون يقدّرون القدرة على التنبؤ أكثر من السخاء.
حتى بعد الموافقة على الاستثمارات، يبقى التنفيذ الحلقة الأضعف. عالميًا، نسبة كبيرة من المشاريع المعلنة لا ترى النور. ودول الكوميسا ليست استثناءً. التأخيرات في البنية التحتية، والنزاعات التعاقدية، وتغير المتطلبات التنظيمية تقوض ثقة المستثمرين بعد الالتزام. وهنا تنسحب كثير من الوكالات، معتقدة أن دورها ينتهي عند جذب الاستثمار، بينما الواقع عكس ذلك تمامًا.
المطلب الجديد هو “الرعاية اللاحقة”. دعم المستثمرين خلال التنفيذ—متابعة تقدم المشاريع، حل العقبات، والتنسيق بين الجهات—أمر حاسم. إدارة حسابات مخصصة للاستثمارات الكبرى، إلى جانب آليات سريعة للقطاعات ذات الأولوية، قد يكون الفارق بين الإنجاز والتخلي. في عالم يتحرك فيه رأس المال بسرعة، فإن الوقت الضائع في دولة يُعوّض بسرعة في دولة أخرى.

