أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم من بين أكثر الأدوات تأثيراً في تشكيل الأفكار والتصورات واتخاذ القرارات داخل المجتمعات الحديثة. وفي الصومال، تحولت هذه المنصات إلى فضاء مهم لتبادل الأخبار، والانخراط في النقاشات السياسية، والمشاركة في الشأن العام.غير أن هذه الفرص الكبيرة يرافقها خطر متزايد يتمثل في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتضليل الرأي العام والتلاعب به.فالتضليل الإعلامي لا يقتصر على نشر معلومات كاذبة فحسب، بل يمثل استراتيجية متعمدة تهدف إلى تشويه الحقائق، والتأثير في تصورات الجمهور، وخلق حالة من الارتباك السياسي والاجتماعي.وفي بعض الأحيان، تلجأ أفراد أو مجموعات تسعى إلى تحقيق مصالح محددة إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي للترويج لروايات لا تستند إلى الواقع، في محاولة لتوجيه الرأي العام بدلاً من تقديم معلومات موثوقة ودقيقة.وغالباً ما تتسم هذه الحملات بأنماط واضحة يمكن ملاحظتها، من بينها الاستخدام المنسق لعدد كبير من الحسابات لنشر الرسائل ذاتها، وتداول اتهامات غير موثقة، وإثارة المشاعر العامة من خلال استغلال الخوف أو الغضب أو الانقسامات الاجتماعية.وبدلاً من تشجيع النقاش القائم على الأدلة والحوار الواعي، تعتمد هذه الحملات في كثير من الأحيان على الدعاية والتشهير بالأشخاص والتلاعب بالمعلومات.ويكمن الخطر الأكبر للتضليل الإعلامي في قدرته على إضعاف قدرة المواطنين على اتخاذ قرارات مستنيرة. فالديمقراطية تعتمد على وجود جمهور مطلع وقادر على تقييم السياسات والقادة والقضايا الوطنية استناداً إلى معلومات موثوقة.وعندما تُستبدل المعلومات الدقيقة بالأكاذيب والسرديات المشوهة، تبدأ أسس الديمقراطية والمساءلة في التآكل والضعف.ويُعد الصومال، الذي لا يزال يخوض مساراً طويلاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الحكم الديمقراطي، من أكثر الدول عرضة لتأثيرات التضليل الإعلامي.فالتقارير غير المتحقَّق منها، والدعاية ذات الدوافع السياسية، والحملات المصممة لتعميق الانقسامات الاجتماعية، يمكن أن تؤثر بشكل مباشر في الأمن الوطني والتماسك المجتمعي وثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.ولا يكمن الحل في تقييد حرية التعبير أو قمع الآراء المختلفة، بل في تعزيز الثقافة الإعلامية، وتشجيع التحقق من المعلومات، وترسيخ ثقافة المساءلة لدى المؤسسات الإعلامية ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي على حد سواء.وتقع على عاتق كل مواطن مسؤولية التحقق من المعلومات قبل مشاركتها مع الآخرين.وفي نهاية المطاف، فإن مواجهة التضليل الإعلامي ليست مسؤولية الحكومات والمؤسسات الإعلامية وحدها، بل هي مسؤولية وطنية تقع على عاتق المجتمع بأسره. فإذا لم تتم حماية الحقيقة، يمكن للمعلومات المضللة أن تتحول بسهولة إلى أداة لتوجيه الرأي العام والسيطرة عليه.ومن ثم، فإن الدفاع عن الحقائق والحقيقة يظل أمراً ضرورياً لحماية الديمقراطية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتأمين مستقبل الصومال.* عمر عبدلّي محمد «طغي»محامٍ ومحلل قانوني وسياسي صومالي، متخصص في الحوكمة والإصلاح المؤسسي.البريد الإلكتروني:omardhagey@gmail.com*الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي كاتبها، ولا تعكس بالضرورة مواقف «بوابة إفريقيا».