بعد عقد على رحيل الكاتب العربي الكبير ، محمد حسنين هيكل، لا يبدو استحضاره مجرد وفاء لاسم كبير في تاريخ الصحافة العربية، بل عودة واعية إلى معنى الكتابة حين تكون مسؤولية عامة، وإلى المقال حين يكون عملا فكريا لا تعليقا عابرا على حدث يومي. فالرجل الذي ارتبط اسمه بجريدة الأهرام لم يكن مجرد رئيس تحرير لصحيفة عريقة، بل أحد الذين أعادوا تعريف دور الصحافة في تشكيل الوعي العام، وجعلوا من الصحيفة منصة تفكير لا مجرد منبر خبر، ومساحة نقاش لا مجرد ساحة صدى للأحداث.
تعرفت إليه من خلال كتبه قبل أن أعرفه عبر أرشيفه الصحفي. ثم قادتني المصادفة إلى أعداد قديمة من الأهرام، فوجدت مقالات كتبت في زمن الاضطرابات لكنها لم تفقد بريقها ولا قدرتها على الإقناع. كانت نصوصا تقرأ ببطء، وتستعاد قراءتها لا بدافع الحنين، بل بدافع الفهم والتأمل. إذ لم تكن تكتفي بعرض الوقائع، بل كانت تبني خلفيتها، وتربطها بسياقها، وتفتح أمام القارئ أفقا أوسع من حدود اللحظة، كأنها تدعوه إلى التفكير لا إلى الاستهلاك السريع، وإلى التساؤل لا إلى الاكتفاء بإجابات جاهزة.
لم يكن هيكل كاتب عمود تقليدي، بل صاحب مدرسة في الكتابة الصحافية. نص طويل النفس، يرفض الاختزال حين يكون تبسيطا مخلا، ويصر على الإحاطة حين تكون شرطا للفهم. في مقالاته تتجاور الوثيقة مع الشهادة، والتحليل مع السرد، فيشعر القارئ أنه داخل غرفة القرار لا خارجها. كانت كتابته أقرب إلى خرائط ذهنية دقيقة، تظهر مسارات الأحداث وتشابكاتها، لا سطحها فقط. كان يمسك بالخيط الرفيع بين الوقائع، ويعيد ترتيبها في نسق يكشف ما وراءها، ويقرب المسافة بين الخبر ومعناه.
ومع مرور الوقت يتضح أن لقب الأستاذ لم يكن مجاملة عاطفية، بل توصيفا لدور تربوي وفكري عميق. فقد درب أجيالا من القراء قبل الصحافيين على أن الرأي نتيجة بحث، لا انفعال لحظي، وأن المعلومة مسؤولية قبل أن تكون سبقا صحفيا. كان يضع القارئ أمام الصورة الكاملة، ثم يترك له مساحة التفكير من غير أن يفرض عليه خلاصة جاهزة. لم يسع إلى إبهار لغوي فارغ، بل إلى بناء حجة متماسكة تتقدم بهدوء وثبات. يكتب بثقة العارف بمادته، وباطمئنان من يدرك أن الفكرة تحتاج وقتا كي تنضج، وأن القارئ شريك في عملية الفهم لا متلقيا سلبيا ينتظر توجيها.
صحيح أنه لم يكن بلا انحياز. كان وفيا لتجربة جمال عبد الناصر ومدافعا عنها بوضوح، لكنه في الوقت ذاته كان واعيا لتعقيد اللحظة التاريخية، ومدركا أن التجارب السياسية لا تختزل في شعارات. انحيازه لم يكن ملتبسا ولا مموها. كان يعلن موقعه بجرأة، ويجادل انطلاقا منه، ويقدم دفاعه بقدر كبير من المعرفة بالتفاصيل. ومن هذا الوضوح نتعلم أن النزاهة الفكرية لا تعني ادعاء الحياد المطلق، بل الصدق في التعبير عن الموقف وتحمل تبعاته، والاعتراف بأن كل كتابة تنطلق من زاوية نظر محددة.
تميز أيضا بشجاعة أدبية واضحة. لم يعرف عنه أنه غير لغته مع تغير السلطة، أو عدل بوصلته مع تبدل المزاج العام. ظل منحازا إلى قناعته، حتى حين كلفه ذلك موقعا أو نفوذا أو حضورا رسميا. وإذا اشتد عليه النقد، قابل الخصومة بقدر من الاتزان، كأنه يرى أن الكاتب الحقيقي يقاس بثباته لا بصخبه، وبقدرته على الاستمرار لا بعلو صوته في لحظة عابرة. كانت معاركه فكرية في جوهرها، لا شخصية، وكان يفضل أن يجيب بالحجة لا بالردود الانفعالية السريعة.
ثقافته كانت موسوعية بالمعنى العميق، لا الاستعراضي. قرأ التاريخ والسياسة والاقتصاد بعين تبحث عن الترابط لا عن المعلومة المنفصلة. وكان يدرك أن الحدث بلا سياق يفقد معناه، وأن الوقائع إذا لم توضع في إطارها تصبح شذرات مبعثرة. لذلك جاءت لغته محكمة، وإيقاعه مدروسا، وجمله مشغولة بعناية واضحة. لم يكن يكتب ليمر النص، بل ليبقى أثره. كان يعرف أن المقال الجيد لا يستهلك في يومه، بل يعيش بعده، ويظل قابلا لإعادة القراءة والاكتشاف.
كان شاهدا على مراحل مفصلية في التاريخ العربي الحديث: من صعود الحركات الوطنية إلى انتكاساتها، ومن أحلام الوحدة إلى تعقيدات الدولة الحديثة، ومن لحظات الزهو إلى لحظات الانكسار. لم يكتف برواية ما جرى، بل سعى إلى تفسيره وتأطيره، وربطه بمسارات أوسع إقليميا ودوليا. وفي هذا اقترب من دور المؤرخ الذي يكتب بوعي اللحظة، لكنه لا يستسلم لها، بل يحاول أن يرى ما بعدها، وأن يقرأ إشارات المستقبل في تفاصيل الحاضر.

