لا تعود أزمة الصومال إلى عامل منفرد، بقدر ما تعكس بلادة مزمنة في تعريف معنى الدولة ومعايير نجاحها؛ فقد جرى على مدى سنوات اختزال الأداء السياسي في القدرة على الاستمرار، لا في القدرة على التأسيس، حتى غدا البقاء غاية مرجوة بحد ذاتها، لا مرحلة في مسار بناء أوسع.
ولا يدّعي العبد لله خبرة واسعة في علم الاقتصاد، ولا فهمًا عميقًا لتعقيداته، لكنه مع ذلك يميل إلى الظن بأن الاقتصاد يظل المفتاح الأبسط والأوضح لفهم حال الدولة ومآلاتها؛ إذ من دونه تتعطل بقية المفاتيح، مهما بدا باب السياسة محكمًا أو خطاب الاستقرار مطمئنًا.
فمن دون قاعدة اقتصادية مستقرة، يتحول الأمن إلى عبء دائم يستهلك الموارد المحدودة، وتغدو السلطة منشغلة بإدارة الأزمات اليومية أكثر من انشغالها ببناء مسارات مستقرة للتنمية، فتتغير الحكومات بينما تبقى المشكلات الأساسية على حالها من دون حلّ.
وتزداد هشاشة المشهد مع الانقسامات الداخلية، ولا سيما العلاقة الملتبسة بين المركز والولايات؛ فهذه العلاقة لم تستقر على صيغة حكم واضحة، بل بقيت ساحة تجاذب حول الصلاحيات والموارد والتمثيل، ومع غياب مرجعية سياسية جامعة يتصرف بعض قادة الولايات بمنطق فتوة الحارة، لا بمنطق رجال دولة، فتتآكل الفكرة من داخلها حتى وهي قائمة شكليًا.
أما في بعدها الخارجي، فتواجه القضية الصومالية محاولات إعادة تموضع تتجاوز الحسابات القانونية والتاريخية، ويأتي الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في هذا السياق لا بوصفه دعمًا لمسار سياسي مكتمل، بل كخطوة سياسية تزيد المشهد تعقيدًا، وتمنح الانقسام بعدًا دوليًا إضافيًا، بدل الإسهام في احتوائه أو الحد من تداعياته.
وفي الاتجاه نفسه، يعكس الخطاب الأميركي، وخصوصًا في مرحلة دونالد ترمب، توجهًا يقوم على الابتزاز السياسي، حيث جرى تقديم الصومال علنًا بوصفه نظامًا فاشلًا، وهو خطاب يترك أثره في الداخل حتى من دون سياسات مباشرة، إذ يعمّق القلق السياسي ويضاعف هشاشة النظام القائم.
ومع ذلك يبقى العامل الحاسم داخليًا؛ فالصومال لا تنقصه التفسيرات ولا التشخيصات بقدر ما يفتقر إلى توافق سياسي يؤسس لقواعد حكم مستقرة، يُعاد من خلالها تنظيم العلاقة بين المركز والولايات، وتوضع أسس مشروع وطني قابل للثبات.
من دون هذا التوافق، سيظل الصومال عالقًا بين دولة معلنة وواقع منقسم، حاضرًا بالاسم، مؤجّلًا بالفعل، ومحصورًا في سؤال البقاء، بدل الانتقال من منطق البقاء إلى منطق بناء الدولة.

