«السفير السوداني ليس غريبا عن الصومال، بل واحد من أهله، تجمعه بهم أخوة صنعتها المواقف قبل أن تصوغها البروتوكولات الرسمية». محمد محمود فيدو
في مساء الثلاثاء 15 سبتمبر، بعد صلاة العصر، كانت الساعة تشير إلى 5:37 تماما عندما أرسل إلي خالي «عول حسن» رابطا من منصة «تيك توك»، ثم كتب يسألني: «متى نذهب إلى هذا المطعم؟»، قبل أن يضيف: «حتى السفير السوداني زار هذا المطعم».
لم أفتح الرابط في حينه. كنت مشغولا، وظننته واحدا من المقاطع العادية التي يتبادلها الناس من دون رسالة واضحة أو فائدة تذكر. تجاهلته ومضيت إلى مشاغلي، من دون أن أتوقع أن مقطعا لا يتجاوز 57 ثانية سيفتح بعد ساعات نقاشا حول أمن مقديشو، ويروي في الوقت نفسه حكاية أعمق عن العلاقة بين شعبين.
بقي الرابط ينتظر حتى حل الليل.
بعد أن فرغت لمتابعة أخبار اليوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فتحت تطبيق «تيك توك». ظهر أمامي المقطع نفسه، منشورا على حساب صاحب مطعم «جايطة»، الزميل السوداني الشاب جواد محمد الأمين جعفر.
يمتلك جواد مطاعم في عدد من دول شرق إفريقيا، وافتتح مطعمه في مقديشو عام 2025. وهو شاب نشيط وبسيط ومتواضع، اعتاد توثيق تفاصيل حياته اليومية والتواصل مع متابعيه عبر المنصات الرقمية.
هذه المرة، لم يكن ما وثقه مجرد لحظة عابرة أمام مطعمه.
سبع وخمسون ثانية
يبدأ المقطع بظهور جواد وهو يحمل ثلاثة أكواب من عصير الكركديه، مرتديا قميصا أسود كتب عليه اسم مطعم «جايطة». ويبدو المشهد عفويا، أو ربما جرى الإعداد له على عجل خلال الدقائق القصيرة التي استغرقها تجهيز العصائر.
يقول جواد بصوت يكشف فرحته وتوتره في آن واحد: «الليلة يا جماعة، زول متوتر».
ثم يخرج من المطعم الواقع في شارع مكة المكرمة وسط العاصمة مقديشو. تتبعه الكاميرا إلى الخارج، حيث تظهر سيارة سوداء متوقفة أمام المكان.
يفتح أحد الأشخاص الباب الخلفي للسيارة، ليظهر سعادة سفير جمهورية السودان لدى الصومال، عبد الرحمن خليل أفندي، مرتديا الزي السوداني الرسمي، الجلابية البيضاء والعمة، ومبتسما وهو يلوح بيده للمصور.
يتقدم جواد حاملا أكواب الكركديه، ويقول بفخر واضح: «لي فخر إنو مطعم جايطة يجيها السفير السوداني في دولة الصومال».
يقدم العصير، فيسأله السفير: «الكركديه تمام؟ مبسوط؟».
يجيبه جواد: «آي، الكركديه تمام، الله يكرمك».
يشكره السفير، وينتهي المقطع.
سبع وخمسون ثانية فقط. لا خطاب رسمي، ولا مؤتمر صحفي، ولا موكب دبلوماسي كبير. سفير يتوقف أمام مطعم، وشاب سوداني يقدم له الكركديه، وكاميرا توثق اللحظة.
لكن هذا المشهد البسيط سرعان ما تحول إلى مادة للنقاش.
خلال ساعات قليلة، تجاوزت مشاهدات المقطع 200 ألف، وحصد أكثر من 20 ألف إعجاب، فيما تخطى عدد التعليقات 500 تعليق. لم يكن الجمهور يتابع زيارة السفير إلى المطعم بقدر ما كان يتأمل ما ظهر خلفها: سيارة واحدة، شارع مفتوح، وسفير يتحرك من دون حراسة.
وأثناء تصفحي للتعليقات، استوقفني تعليق كتبته امرأة تستخدم اسم «الآنسة الصومالية»، قالت فيه: «يسعدني أن أرى سفيرا يتنقل في مقديشو بسيارة واحدة ومن دون حراسة».
حصد تعليقها أكثر من ألف إعجاب، وكأنه عبر عن السؤال الذي دار في أذهان آلاف المشاهدين.
انتقلت بعد ذلك إلى «فيسبوك»، فوجدت قناة «المستقبل» الصومالية قد نشرت تقريرا بعنوان: «ماذا يعني تجول السفير السوداني لدى الصومال في مقديشو من دون حراسة، وما الرسالة التي توجهها هذه الخطوة إلى العالم؟».
ورأى التقرير أن المشهد يحمل رسالة إلى السياسيين والدبلوماسيين الذين يتحركون داخل العاصمة برفقة أعداد كبيرة من الحراس المدججين بالسلاح.
هكذا، تحول كوب الكركديه إلى سؤال أمني، وتحولت الوقفة القصيرة أمام المطعم إلى صورة يتأمل الصوماليون من خلالها حال عاصمتهم.
ذاكرة لا تنسى الوجوه
أما جواد، صاحب المقطع، فلي معه قصة سابقة تفسر لماذا أصفه بالذكاء وقوة الملاحظة.
كنت أتابعه عبر «تيك توك» خلال وجودي في أوغندا. وبعد وصولي إلى مقديشو، دعاني أحد الزملاء إلى العشاء في مطعم «جايطة». دخلنا وجلسنا وطلبنا الطعام، وبعد قليل رأيت جواد يلوح لي من بعيد قائلا: «جاييك، جاييك يا زول!».
ظننت أنه يخاطب شخصا آخر، فالتفت خلفي، لكنني لم أجد أحدا. وبعد لحظات، وصل إلى طاولتنا وصافحني بتحية سودانية دافئة، وكأننا نعرف بعضنا منذ سنوات.
سألته بدهشة: «هل تعرفني فعلا؟».
أجاب: «وكيف لا أعرفك؟ أنت صاحب البدلة الذي يتواصل معي عبر تيك توك، ويرسل لي المقاطع ويعلق على فيديوهاتي». ثم حاول تذكر اسمي وقال مبتسما: «اسمك فيديو، أم شيء آخر؟».
كان ما أثار دهشتي أنني لم أكن يومها أرتدي بدلتي المعتادة، بل كنت أرتدي ثوبا وطاقية. والثوب، أو الجلابية كما يسمى في السودان، نسميه في الصومال «قميصا».
سألته: «كيف عرفتني وأنا لا أرتدي البدلة؟».
فأجاب بكل بساطة: «أي شخص أراه في مكان ما، أعرفه».

