ملاحظة المحرر: في هذا الجزء الثاني من السلسلة (أزمة الاعتراف بصوماليلاند: دروس من هرر وتوجهات السياسات)، يواصل الكاتب تناول كيفية تعامل قيادة صوماليلاند مع المعارضة الداخلية والضغوط الخارجية عبر سرديات متنافسة، وتأطير أمني، ورسائل إقليمية، وكيف أسهمت هذه الاستراتيجيات في تشكيل التصورات الإقليمية والدولية للأزمة.
قامت قيادة SSC-خاتمو بصياغة دستور إقليمي يؤكد الولاء لجمهورية الصومال الفيدرالية. وبحلول يوليو 2025، اعترفت الحكومة الفيدرالية الصومالية رسميًا بولاية شمال شرق الصومال كولاية عضو جديدة في النظام الفيدرالي.
وقد منح هذا التطور المجتمعات التي كانت مهمشة سابقًا ولايتها الخاصة داخل الصومال — على غرار بونتلاند وجوبالاند وغيرها — ما أسقط السردية القائلة إن الطريق الوحيد أمام هذه المجتمعات لتحقيق تقرير المصير يمر عبر الانفصال مع صوماليلاند.
كما أظهر هذا المسار مخرجًا سلميًا ودستوريًا لطموحات تلك المجتمعات، وهو ما شكّل تحديًا مباشرًا لادعاءات صوماليلاند بالسيادة على تلك الأراضي.
إن دلالات هذه التطورات عميقة. فادعاء صوماليلاند تمثيل دولة مستقرة وموحدة بات مقوضًا بفعل الانقسامات الداخلية.
فأجزاء واسعة من الأراضي التي تطالب بها لم تعد تحت سيطرتها، بل تُدار اليوم من قبل الولاية الفيدرالية الجديدة وسلطات محلية متحالفة معها.
وحتى في المناطق التي لا تزال صوماليلاند تمارس فيها نفوذًا، يسود انعدام ثقة عميق بين الأقليات غير الإسحاقية وقوى المعارضة.
كما أدّى الصراع الأخير إلى تآكل الثقة القبلية داخل النواة الصلبة لصوماليلاند نفسها. إذ قامت إدارة الرئيس موسى بيحي، التي تهيمن عليها عشيرة فرعية واحدة من الإسحاق، بسجن شخصيات معارضة وتأجيل الانتخابات، ما أثار انتقادات واسعة بأن التجربة الديمقراطية في صوماليلاند تشهد تراجعًا.
وخلاصة القول إن بيت صوماليلاند منقسم من الداخل. وأي تسوية مستدامة ستتطلب الاعتراف بأن جميع سكانها لا يوافقون على مشروع الاستقلال؛ بل إن كثيرين منهم يطالبون بإدماج حقيقي وحكم ذاتي ضمن الدولة الصومالية، بدلًا من فرض الانفصال عليهم.
5. السرديات المتنافسة والتصورات الإقليمية
في مواجهة هذه الانتكاسات، لجأت قيادة صوماليلاند مرارًا إلى التلاعب بالسرديات لتبرير أفعالها وحشد التعاطف الدولي.
وخلال أزمة لاسعانود، حرصت هرجيسا على تصوير الصراع بوصفه عملية لمكافحة الإرهاب، ووصفت المحتجين المحليين ومقاتلي SSC بأنهم “إرهابيون” مرتبطون بحركة الشباب، أو أدوات بيد بونتلاند ومقديشو.
كما روّج مسؤولون في صوماليلاند لنظريات مؤامرة، وصلت في بعض الأحيان إلى الادعاء بتورط قوى أجنبية مثل الصين في الاضطرابات، دون تقديم أي أدلة.
غير أن الواقع، كما أشار مراقبون مستقلون، هو أن انتفاضة لاسعانود كانت متجذرة في مظالم عشائرية محلية وطموحات للحكم الذاتي، لا في التطرف الجهادي.
وقد أدرك المجتمع الدولي إلى حد كبير زيف هذه السردية. إذ كانت الاستجابة العسكرية العنيفة والانتهاكات الحقوقية التي ارتكبتها قوات صوماليلاند أبلغ من دعايتها الإعلامية.
وأدانت حكومات أجنبية متعددة ومنظمات حقوقية دولية الاستخدام المفرط للقوة من قبل صوماليلاند، ودعتها إلى التفاوض بدل وصم مواطنيها بالتطرف.
إن محاولة تغليف نزاع سياسي بلغة “الحرب العالمية على الإرهاب” جاءت بنتائج عكسية، وألحقت ضررًا بالغًا بمصداقية صوماليلاند.
وعلى الأرض، زادت تكتيكات صوماليلاند من اغتراب السكان المحليين وأثارت صدمة المراقبين.
فإلى جانب القصف المدفعي للمناطق المدنية، فرضت السلطات حصارًا وقطعت الاتصالات، بما في ذلك إغلاق خدمات الإنترنت والاتصالات في لاسعانود في ذروة الاحتجاجات، ما أدى فعليًا إلى محاصرة المدينة جسديًا ورقميًا.
كما وردت تقارير موثوقة تفيد بأن قوات صوماليلاند أعاقت وصول المساعدات الإنسانية، ومنعت سيارات الإسعاف والإمدادات الطبية من الوصول إلى الجرحى، بل واستهدفت مستشفيات بشكل متعمد.
وقد وصفت منظمة العفو الدولية هذه الأفعال بأنها انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
هذه الإجراءات القسرية — القصف والحصار وقطع المعلومات والمساعدات — ترسم صورة لحكومة تحاول إخضاع منطقة بالقوة المسلحة.
وبدلًا من إخماد المقاومة، زادت هذه الأفعال من تصلبها. ولم تكن وعود الحوار ذات مصداقية حين تُقدَّم تحت وقع القصف العسكري، وظل القادة المحليون يشككون بعمق في نوايا هرجيسا.
وبالنسبة للحكومة الفيدرالية الصومالية وشركائها الدوليين، فإن الدرس واضح: التصدي للسرديات الزائفة والحفاظ على التركيز على الأسباب الجذرية أمران أساسيان.
فالصراعات في شرق صوماليلاند هي في جوهرها سياسية وعشائرية، وليست إرهابية، وهو واقع تؤكده الأدلة الميدانية ويقر به مراقبون إقليميون.
إن الاعتراف بهذه الحقيقة يغيّر المقاربة السياسية نحو المصالحة والحوار السياسي الشامل.
كما يبرز أن الاستقرار الحقيقي يكمن في معالجة المظالم المشروعة — التمثيل، وتقاسم الموارد، والحكم المحلي — بدل القبول بذريعة “الإرهاب” لتبرير القمع.
وعلى الصومال وشركائه الاستمرار في إبراز حقيقة هذه الصراعات، وضمان أن أي تعامل مع ملف صوماليلاند يستند إلى الوقائع لا إلى الدعاية.
لقد قوّض تحريف صوماليلاند لأحداث لاسعانود وتكتيكاتها العنيفة رصيدها الدولي بشكل كبير.
فبعد أن كانت تُصوَّر كواحة سلمية، باتت اليوم تواجه تساؤلات متزايدة حول التزامها بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
وعلى الصعيد الداخلي، عمّقت كل قذيفة سقطت على لاسعانود مشاعر العداء وانعدام الثقة تجاه حكم هرجيسا.
وكسر هذه الحلقة المفرغة يتطلب من قادة صوماليلاند الابتعاد عن السلاح والدعاية، والتوجه نحو اعتراف صريح بالأصوات المعارضة.
لقد باتت الأرضية مهيأة لمقاربة مختلفة — مقاربة تُعلي من شأن وقف إطلاق النار، والحوار، والتسوية.
وما يلي هو توصيات سياسات مفصلة تهدف إلى تحويل هذه الاستنتاجات إلى خطوات عملية.
6. توصيات السياسات
التوصيات التالية عملية وموجهة لثلاث مجموعات رئيسية من أصحاب المصلحة.
وهي تهدف إلى احتواء تداعيات صدمة الاعتراف بصوماليلاند، ومنع مزيد من التصعيد، ورسم مسار نحو حل سلمي ضمن الإطار الدستوري الصومالي.
6.1. للحكومة الفيدرالية الصومالية
قيادة استجابة إفريقية موحدة:




